فهرس الكتاب
ثالثًا: أرى أنه لا يتأتى فهم الحركات الإصلاحية العربية, فهما شاملا ودقيقا إلا إذا أنزلت في ظروفها الموضوعية مكانا وزمانا, وتشغل السياسة حيزا بارزا ضمن هذه الظروف الموضوعية, وهنا تتنوع المواقف, بل قد تتباين, فقد رأينا فئة من رواد الاستنارة حاولت الإصلاح من داخل السلطة عندما قدمت في مؤلفاتها نموذجا للسلطة السياسية في ديار الآخر المتقدم (الغرب) من جهة, وعندما سعت إلى تأسيس نظام تعليمي عصري قصد تخريج جيل جديد من المتعلمين المستنيرين من جهة أخرى. وهناك الفئة الثانية التي أدركت أنه لا أمل في الإصلاح, ولا في التحديث الحقيقي دون البداية بالإصلاح السياسي الهادف أساسا إلى القضاء على الحكم المطلق الاستبدادي, وتأسيس نظم دستورية جديدة, وتحويل نظم (الملك المطلق) إلى (ملك مقيد بقانون) حسب تعبير ابن أبي الضياف على غرار النظم الملكية الدستورية التي عرفتها البلدان الأوربية في القرن التاسع عشر, وبخاصة فرنسا, بل ذهب بعض أنصار هذا التيار إلى ضرورة الثورة ضد هذه النظم إن لزم الأمر, كما عبرت عن ذلك الرؤية السياسية الفكرية للثورة العرابية.
وأود الإشارة في هذا الصدد إلى فئة أخرى فرت من السياسة بعدما اكتوت بنارها, وركزت على التوعية عبر نشر التعليم والمعرفة, ويعد الشيخ محمد عبده من أبرز ممثلي هذه الفئة, فقد لعن فعل (ساس) و (يسوس) , وقد أصبح من المعروف أن موقف الشيخ هذا كان من أبرز أسباب الفرقة بينه وبين أستاذه الأفغاني.
السؤال الكبير الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: هل كان أنصار الفئة الثانية مدركين أنه لا يمكن أن يتحقق التقدم, وأن تؤتي إصلاحات ذات طابع تحديثي أكلها في ظل نظم سلطوية استبدادية, وأن الحل يبدأ بالإصلاح السياسي, كما تفطن إلى ذلك خير الدين (حكيم السياسة) , كما يسميه الشيخ رفاعة. القضية طرحها روّاد الاستنارة العربية بالأمس, ومطروحة على النخبة الفكرية والسياسة العربية اليوم.