فهرس الكتاب
أدرك الطهطاوي أهمية العامل السياسي, دون ريب, لتحقيق التقدم في العلوم والصناعات بوجود تنظيمات مؤسسة على العدل السياسي, فلا تكفي - إذن - تنظيمات, ومؤسسات دستورية صورية, فلابد أن تكون ممثلة تمثيلا حقيقيا, وأن تكون لها رقابة على السلطة التنفيذية, ويستعمل خير الدين في هذا السياق مفهوم (الاحتساب على الدولة) , وهي وظيفة البرلمان, ويسميه مجلس الوكلاء, و (مجلس الوكلاء المركب ممن ينتخبهم الأهالي للمناضلة عن حقوقهم, والاحتساب على الدولة) , ولابد من أن تكون الحكومة مسئولة أمام البرلمان, وله حق سحب الثقة من أعضائها, و (لا يمكنهم البقاء في الخدمة إلا إذا كان غالب أعضاء مجلس الوكلاء موافقا على سياستهم) .
فقد أدرك صاحب (أقوم المسالك) , ومعه زمرة من رجال الإصلاح في النصف الثاني من القرن التاسع عشر, أن الأوضاع لا يمكن أن تتغير, وأن يخطو المجتمع العربي الإسلامي خطوات ثابتة فوق درب الحداثة الحقيقية دون تغيير الأوضاع السياسية, وبعث مؤسسات دستورية قائمة على العدل السياسي والحرية, فليس من الصدفة أن يقف خير الدين وقفة طويلة عند مفهوم الحرية, ودورها فيما حققه المجتمع الأوربي من تقدم, ولا غرو في ذلك, وهو الذي لمس عن كثب ويلات الحكم المطلق الاستبدادي وآثاره الوخيمة, مؤكدا (أن الحرية هي منشأ سعة نطاق العرفان والتمدن بالممالك الأوروباوية) , فتحدث عن الحرية الشخصية, وعن الحرية السياسية, وعن حرية النشر والتعبير, وعن علاقة الحرية بالاقتصاد, مستنجدا بابن خلدون في المقدمة في إبراز علاقة الحكم الاستبدادي بخراب العمران.
ونتساءل اليوم, ونحن في مطلع القرن الواحد والعشرين: أحاملو لواء خطاب الحداثة واعون لخطورة العامل السياسي في تحقيق مشروع التحديث العربي, أو فشله?