فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 239

إن حديث خير الدين عن (العدل السياسي) , وعن مراقبة برلمان منتخب لأعمال الحكومة, واحتسابه على الدولة, وكذلك حديثه عن الحريات العامة يسقط نظرية (المستبد العادل) , ومن المعروف أن كلا من الطهطاوي, والشيخ عبده من أنصار هذه النظرية, وهي متناقضة تماما مع مفهوم الحداثة السياسية باعتبارها الأس المتين للدولة المدنية.

بالرغم مما تبدو عليه مقولة (المستبد العادل) من تجديد عصرئذ, فإنها تبقى مشدودة إلى الماضي, وإلى تراث الفكر السياسي للدولة السلطانية.

إن أنصار التيار التنويري الذي يمثله الطهطاوي ثم من بعده الشيخ عبده, وقد قادا معركة التجديد في مجالين خطيرين: المجال الديني والسياسي قد وجدوا أنفسهم بين المطرقة والسندان, مطرقة سلطة سياسة استبدادية متخلفة, وسندان المحافظين من شيوخ النقل الببغائي, أو بتعبير عبدالرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد) : مطرقة العلماء الغفل الأغبياء وسندان الرؤساء القساة الجهلاء. وما أشبه الليلة بالبارحة بالرغم من الفاصل الزمني الطويل, فإن أنصار الحداثة والتقدم في الوطن العربي يجدون أنفسهم اليوم في كثير من الحالات بين مطرقة نظم سياسية قامعة ومتخلفة, وسندان موجة الردة والرداءة, ورغم التناقض الأساسي بين القوتين في جل الحالات, فإن تأثيرهما السلبي يصب في نهاية المطاف في مجرى واحد: مجرى التخلف, ومعاداة الدولة المدنية الحديثة بمؤسساتها الدستورية الحقيقية, وقيمها الحداثية, وقد برهنت جميع التجارب العربية المعاصرة أنه لا تقدم دون إقامة هذه الدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت