فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 239

تفطن الكواكبي قبل قرن بالضبط إلى العداوة بين المعرفة وأهلها من جهة, والنظم الاستبدادية من جهة أخرى, فالحرب بينهما دائمة ومستمرة, ذلك أن أصحاب الفكر يسعون إلى نشر المعرفة وترسيخ أسس الفكر العقلاني التنويري, ويجتهد الجلاوزة إلى إطفاء نوره لما قال: (والغالب أن رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم, وينكلون بهم, فالسعيد منهم من يتمكن من مهاجرة دياره, وهذا سبب أن كل الأنبياء العظام عليهم الصلاة والسلام, وأكثر العلماء الأعلام, والأدباء النبلاء, تقلبوا في البلاد, وماتوا غرباء) .

وأود القول في هذا الصدد, ونحن نحاول فهم أسباب انتكاس التنوير: إن الأخطر في راهن كثير من المجتمعات العربية ليس الانهيار, وإنما تمويه الانهيار, وتجد السلطة في صفوف (المثقفين) , من يتحدث عن التحديث والتقدم في مناخ تسيطر عليه الرداءة, والردة الفكرية والسياسية, ولاشك أن فقهاء الأحكام السلطانية الذين برروا الخلافة الوراثية, ونظروا للإقطاع العسكري, وللنظم الاستبدادية أكثر حذرا, وأشد حياء من هذه الفئة من (المثقفين) اللاهثين وراء الركب السلطاني.

ظنت النخب السياسية والفكرية التي خاضت معارك التحرر العربي أن الدولة الوطنية التي ستقوم غداة الاستقلال ستحقق حلم أجيال من التنويريين العرب في بناء الدولة المدنية الحديثة التي تسندها قوى مجتمع مدني ليبرالي حر, ولكن سرعان ما خاب الأمل, وتحولت إلى دولة مملوكية قامعة, وخاصة بعد أن مسكت بأزمتها في حالات متعددة المؤسسة العسكرية, ونظم الحزب الواحد الشمولي, وبرز شعار (شر معروف أفضل من خير مظنون) , وتحول الركود إلى استقرار, أو ما أسماه زعماء النهضة بالأمس (بالجمود على الموجود) , وإذا كان ضرر الجمود في القرن التاسع عشر محدودا, فإن الركود يعني في عصر العولمة التقهقر والتهميش.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت