فهرس الكتاب
رابعا - يخطئ الدارس منهجيا عندما يحشر النهضويين العرب في القرن التاسع عشر في زمرة واحدة متجانسة, إذ إنهم يمثلون تيارات سياسية مختلفة, ورؤى فكرية متنباينة, ويمكن أن نتحدث عن التيارات التالية:
-التيار الديني التجديدي, وأبرز حاملي لوائه: الطهطاوي, والأفغاني, وعبده, وعبدالرحمن الكواكبي.
-التيار الليبرالي, ونجد ضمنه ممثلي مشروعات متعددة: المشروع العلمي, ويمثله شبلي الشميل (1850 - 1917) , ويعقوب صروف (1851 - 1927) , وفارس نمر (1856 - 1951) , والمشروع السياسي الاجتماعي الثوري, ويمثله المنظرون للثورة العرابية, ثم ولي الدين يكن, وسليم سركيس, والمشروع الاشتراكي العلماني المنادي بفصل الدين عن الدولة, وأبرز حاملي لوائه فرح أنطون, ولا مناص من الإشارة في هذا الصدد إلى أن نجد فروقا في رؤى ممثلي التيار الواحد حول مسائل متعددة, وبخاصة المحرمة منها يومئذ مثل الدين, والمرأة والجنس, والثورة الاجتماعية, ومن الصعب في بعض الحالات تصنيف بعض الرواد ضمن هذه الفئة, أو تلك لما اتسمت به مواقفهم من تقلب, ولعل أبرز مثال على ذلك رائد معاصر للطهطاوي أطلق عليه بعض الباحثين العرب اسم (صعلوك النهضويين العرب) , وهو أحمد فارس الشدياق (1804 - 1887) , فهو صاحب مواقف جريئة حول تلك المسائل المحرمة, كان سباقا في معالجتها بكل جرأة في كتابه (الساق على الساق في ما هو الفرياق) , فقد وصف الفقراء والفلاحين في المجتمعين الشرقي والغربي (إن رأس الفقير ليس بأضيق, ولا أصغر من رأس الأمير, وإن يكن هذا أكبر عمامة منه, وأغلظ قذالا, كما ندد بظلم الولاة, وذوي السلطة:(وعندي أن أعظم أسباب الشيب في الأصل هو الهم والخوف من ظلم الولاة, وذوي الإمارة) .
لم أعرف من نادى بحرية المعتقد, وحرية الجسد بين النهضويين العرب في القرن التاسع عشر غير الشدياق, وقد راد في موضوع المرأة كذلك لما قال: (لا نهضة للشرق إلا بنهضة المرأة) .