فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 239

يلاحظ المتتبع للمصادر التراثية التي حاول مفكرو التنوير الإفادة منها لتبرير الاقتباس من الحضارة الغربية أنها تمثل الجوانب المشرقة في التراث العربي الإسلامي, وقد تم توظيفها حسب الهدف الأساسي لهذا المفكر النهضوي, أو ذاك, فقد هدف كل من الشيخ رفاعة, وخير الدين, وابن أبي الضياف, والإمام محمد عبده إلى الحد من ظاهرة الحكم المطلق أساسا, ولذا نجدهم قد أولوا مقدمة ابن خلدون عناية خاصة, ولاسيما (فصل في أن الظلم مؤذن بخراب العمران) , أما الفكرة المحورية التي شغلت بال فرح أنطون فقد كانت ضرورة فصل الدين عن الدولة باعتباره يمثل الخطوة الضرورية لتأسيس الدولة المدنية, ويبدأ ذلك بدعم أسس العقلانية, وتأويل النص الديني الذي ظاهره يخالف البرهان والعقل, لذا فقد سعى إلى إحياء الرشدية, مفيدا بصفة أساسية من كتاب (فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال) , مبرزا مقولة ابن رشد الشهيرة (فإن الحق لا يضاد الحق, بل يوافقه, ويشهد له) , مضيفا في (الجامعة) ونحن نقطع أن كل ما أدى إليه البرهان, وخالفه ظاهر الشرع أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي).

إنني حريص, والحديث هنا عن إفادة النهضويين العرب في القرن التاسع عشر من جوانب معينة في التراث, على إبراز الملاحظات الثلاث التالية:

الأولى - إنهم قد أولوا القدامى, فأول الشيخ عبده أقوال المتكلمين, وأول خير الدين, والكواكبي نص ابن خلدون في المقدمة, وأول فرح أنطون كلام ابن رشد, ونحن عندما ندرس اليوم نصوص مفكري الاستنارة في القرن التاسع فإننا نئول أيضا, بل قد نقوم بتأويل التأويل, وتبقى مشكلة عويصة مطروحة: ماذا نئول, وبأي منهجية? ولاشك أن تأويل التأويل يخضع اليوم لرؤانا الفكرية, ونزعاتها الأيديولوجية المختلفة, كما خضع التأويل بالأمس إلى رؤاهم المتنوعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت