فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 239

الثانية - إن أنصار التيار التنويري يستنجدون اليوم في مواجهة موجة الردة والرداءة السياسية والفكرية بالطهطاوي, وخير الدين, والأفغاني, وعبده, وفرح أنطون, والكواكبي, كما استنجدوا في زمانهم بابن خلدون, وابن رشد, والمعتزلة, فهل سيأتي يوم تنتفي فيه الضرورة إلى هذا النوع من الاستنجاد? إن جميع المؤشرات تنبئ أنه سيكون يوما بعيدا, فقد حلم فرح أنطون قبل قرن كامل لما نشر كتابه عن ابن رشد عام 1903 بأن يأتي يوم لا يبقى فوق هذه الأرض من يحتاج إلى موضوعه, قال في أواخره: (متى يصل الناس إلى زمن يقرأون فيه كتابا كهذا الكتاب بضجر وملالة لأنه بمنزلة تاريخ قديم لم يبق في الأرض احتياج لموضوعه) .

وبعد مرور قرن كامل على كلام فرح أنطون يجد نفسه الفكر العربي اليوم مضطرا إلى الاستنجاد بابن رشد ليس لدعم النزعة العقلية, وضرورة إخضاع النص الديني للتأويل العقلاني, ذلك أن الحق لا يضاد الحق, بل يوافقه, ويشهد له, بل لتبرير الأخذ بأسباب الحداثة!

الثالثة: أرى من الضرورة طرح السؤال التالي: ما العلاقة التي نستطيع رصدها بين إرث الفكر التنويري العربي الإسلامي في القرن التاسع عشر وبين الراهن العربي?

لاتزال - دون ريب - علاقة متينة, فهل يمكن اليوم الاستغناء عن مواقفه الجريئة ضد نظم الحكم المطلق على سبيل المثال, ونقوله: إنه عهد قد ولى وأدبر, وأصبح إرث النهضويين حول هذه المسألة تراثا يدرسه أهل الاختصاص?

الراهن العربي الذي نعيشه يؤكد ضرورة الإفادة من الإرث التنويري الثري, ذلك أن المسألة لاتزال مطروحة بحدة, بل تطورت أساليب الحكم المطلق مع تطور الأساليب التقنية لقهر الإنسان, وإخضاعه لأنواع من العنت والعذاب لم تعرفها أساليب الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت