فهرس الكتاب
هذا القول يثير الاستغراب, ذلك أن احتلال الأقطار العربية مرتبط بظاهرة تاريخية عالمية, هي ظاهرة الاستعمار, وقد بلغت أوجها في القرن التاسع عشر عندما دخلت الرأسمالية مرحلتها الإمبريالية, ثم متى كانت نهضة إصلاحية ذات طابع ديني وفكري قادرة على دحض احتلال عسكري كما حدث في الجزائر, وتونس, ومصر, والسودان في القرن التاسع عشر, فمن أوهام بعض زعماء الإصلاح الاعتقاد بأنهم يستطيعون الحد من تدخل القوى الأوربية في شئون بلادهم, ومنع الاستعمار المباشر بتنفيذ إصلاحات هشة, كما حاول ذلك خير الدين في تونس قبيل الاحتلال الفرنسي, أما الوهم الأكبر الذي يلمسه الدارس للمشروعات النهضوية في القرن التاسع مثل مشروع الطهطاوي, في مصر, ومشروع مدحت باشا في الدولة العثمانية, ومشروع خير الدين في تونس فإنه يتمثل في إيمانهم بإمكانية تحقيق مشروعاتهم في ظل نظم سلطوية استبدادية.
إن حركات التنوير العربية في القرن التاسع عشر محكوم عليها منذ البداية بالفشل سياسيا للسبب المذكور, ولكنها نجحت فكريا وثقافيا, فقد ولدت في أحضانها حركات التحرر العربي, وغرست بذور الثقافة العربية الحديثة.
حقا تميز الرواد التنويريون بالجرأة الفكرية, ولكن هذه الجرأة لم تختف تحت الاحتلال الأجنبي, كما يذهب إلى ذلك عبدالله العروي, فقد استمرت كما يثبت الصراع الفكري الذي خاضته الصحافة العربية ضد المحتل الأجنبي, وضد القوى المتحالفة معه, وكذلك اتهام عدد من رواد الإصلاح في القرن العشرين وملاحقتهم. حدث ذلك للشيخ عبدالعزيز الثعالبي, والطاهر الحداد في تونس, وطه حسين, وعلي عبدالرازق في مصر.
ومما يدعو إلى العجب قول العروي متحدثا عن الاحتلال الأوربي للأقطار العربية: (ذنبه الكبير أنه يجرد الفرد المستعمر(بفتح الميم) من روح المبادرة, ويكرس في نفسه عادات التبعية والتوكل, لقد اعتمدت هذه الفكرة أصلا ثابتا في كل ما كتبت, وعليها ينبني أيضا مقالي هذا.