فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 239

-المقولة الرابعة: تتعلق بشرعية السلطة, فلم تنشأ حركة الأنوار باعتبارها تيارا فلسفيا, أو فكريا مجردا, بل ولدت, وشقت طريقها في خضم صراع مع الواقع المعقد, وهو واقع سيطرت عليه قوتان رجعيتان: قوة الكهنوت الكنيسي, وقوة النظم السياسية الاستبدادية, فليس من الصدفة إذن أن يكون أخطر سؤال طرحه مفكرو قرن الأنوار, وأبلغه أثرا في الأحداث التاريخية التي عرفها القرنان الثامن عشر والتاسع عشر هو: من أين تستمد السلطة السياسية شرعيتها لتتحكم في رقاب الناس, ومصالح المجتمع? جاء الجواب فيما طرحه روسو من نظريات في (العقد الاجتماعي) فليس من الصدفة أن يوليه الطهطاوي عناية خاصة, فمن المعروف أن إيمانيو (1724 - 1804) لم يقر أي تناقض بين الإيمان والعقل في فلسفته, وفي حياته, ولكنه يقول عن مؤسسات الكهنوت الديني, وعن السلطة الاستبدادية أنها مؤسسات (تدوس بأرجلها حقوق البشر المقدسة) .

إن مشروع الحداثة متواصل, فهو لم يصل إلى نهايته, كما يزعم البعض, قد تصاب الحداثة أثناء مسيرتها الطويلة بردة أو نكسة, أو تستغل أدواتها التقنية المتطورة فتستعمل في القمع والاضطهاد, ولكنها قادرة برؤيتها المتكاملة على كبح الجماح, وتدارك الهنات وإصلاح الأخطاء.

إن الوجه الآخر للحداثة, الديمقراطية الليبرالية يسمح بظهور سلبيات الحداثة, والتعرف إليها, ومشاركة قوى المجتمع المدني في معالجتها حسب مبادئ الحداثة نفسها, وفي طليعتها مبدأ حرية النشر والتعبير.

الحبيب الجنحاني

قراءة عربية للنهضة الأوربية

أولا: القراءة المزدوجة بين الأنا والآخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت