فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 239

والسؤال الآن: هل النهضة الأوربية التي كانت نموذج النهضة العربية, خلق إبداعي على غير منوال أم أنها نتاج الحضارة الإسلامية في فترتها الأولى عندما أبدعت العلوم وقامت على العقل والطبيعة ثم ترجمتها إلى اللاتينية مباشرة أو عبر العبرية وأصبحت أحد روافد النهضة الأوربية? هل يمكن إعادة قراءة عصر النهضة الأوربي قراءة عربية, إرجاعا لها لأحد مصادرها الأولى وروافدها المعلن عنها أحيانا والمستورة في أغلب الأحيان? هل يمكن أن تصبح الأنا قالبا يوضع فيه الآخر, وإطارا مرجعيا له بدل أن يكون الآخر إطارا نظريا توضع الأنا فيه? هل يمكن إعادة كتابة تاريخ النهضة الأوربية بل وتاريخ الوعي الأوربي كله من منظور عربي في هذه الفترة التي يتم فيها التحول من الغرب إلى الشرق, ومن (أفول الغرب) إلى (ريح الشرق) , ومن الاستشراق إلى (الاستغراب) ?

وهناك حكم شائع آخر عند السلفيين أن سبب انهيار ما يسمى بفجر النهضة العربية هو تبنيها للنموذج الغربي: القطيعة مع الماضي, وفصل الدين عن الدولة, وجعل الدين مجرد علاقة خاصة بين الانسان والله, والحكم بالقانون الوضعي, والاعتماد على العلم, وجعل العقل والطبيعة مصدرين للمعرفة, والإنسان مركز الكون, والتقدم جوهر التاريخ, والتغير قلب الزمان, وإيثار المتحول على الثابت. وهو أيضا حكم جائر لأن الأسس التي قامت عليها النهضة الأوربية ومُثُل التنوير لا تختلف كثيرا عن مقاصد الشريعة كما حددها الشاطبي, الحياة (النفس) , والعقل, والمبدأ العام الشامل (الدين) , والكرامة (العرض) , والثروة الوطنية (المال) . وربما كانت الطبيعة البشرية واحدة, والتجارب البشرية متكررة كما يبدو ذلك من قوانين التاريخ, وقيام الحضارات وسقوطها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت