استدرك حازم هذا النقص - الذي نتج عن قلة الاستشهاد والاستدلال - بأسلوبه الرائع في التأليف. يدل على ذلك قول ابن القوبع الذي أورده محقق المنهاج في المدخل. فكلامه متسق سلس، فيه ميل إلى التفصيل والتحليل عند قصد شرح المسائل المعقدة. ولم يلجأ حازم إلى التشويق في أثناء إيراد المسائل، كما نرى ذلك عند ابن رشيق في العمدة، بل أراد أن يكون كتابه علميا، يتصف بالجد والبساطة، معتمدا في الغالب على الجمل القصيرة. وإذا قصد إطالتها، نسج فيها جملا اعتراضية على وجه بديع من الترابط والائتلاف التام فيما بينها، ولكنها مع ذلك أكثر وضوحا من غيرها. والمثال على ذلك قوله في الفصل الخامس من النهج الثالث للقسم الرابع الأخير من الكتاب:"لما كانت الأغراض الشعرية يوقع في واحد منها الجملة الكبيرة من المعاني والمقاصد وكانت لتلك المعاني جهات فيها توجد مسائل منها تقتنى كجهة وصف المحبوب وجهة وصف الخيال وجهة وصف الطلول وجهة وصف يوم النوى وما جرى مجرى ذلك في غرض النسيب وكانت تحصل للنفس بالاستمرار على تلك الجهات والنقلة من بعضها إلى بعض بكيفية الاطراد في المعاني صورة وهيئة تسمى الأسلوب وجب أن تكون نسبة الأسلوب إلى المعاني نسبة النظم إلى الألفاظ".
4 -تأثره بالثقافة اليونانية ومزجها بالثقافة العربية
نلحظ بين النقاد القدامى من اعتنى بكتاب الشعر لأرسطو - مثل قدامة وابن رشيق، كما نلحظ منهم قلة قليلة قصدت إلى الجمع بين الطريقتين الهيلينية والعربية والمقارنة بينهما، مثل ابن الهيثم (المتوفى سنة 430/1038) ، ومترجمنا حازم القرطاجني. فكتاب الشعر لأرسطو قد أثر تأثيرا عميقا في عمل صاحب المنهاج، حيث جهد أن ينتفع بهذا الكتاب - أو بالصور التي عرفها منه - أعظم انتفاع.