ورأى العلامة الدكتور محمد الفاضل ابن عاشور أن السبب في ذلك تفرد حازم بنظرية علم"أصول البلاغة"أو"فلسفة البلاغة". وقال في هذا الصدد:"وهذا إنما يرجع إلى التناسب الوضعي، كان رابطا بين الفنون والكتب، في وحدة الثقافة الإسلامية: هو الذي بمقتضاه اتخذ كل فن من الفنون: الشرعية، والأدبية، والحكمية، زيادة على كيانه الذاتي، قواما تناسبيا في ما يصل عامة الفنون بعضها ببعض، في الغايات العملية، الراجعة إلى عمود الثقافة الإسلامية: وهو المعرفة العالَمية الكلية. فإن كل علم من العلوم قد اكتسب من استناده إلى العلوم الأخرى، من فصيلته ومن غير فصيلته، ما جعله، في غاياته واستمداداته، مرتبطا بوضع عام تتصرّف بمقتضاه العلوم تصرفا تناسبيا توالديا، لا يتمكن بعده لعلم منها أن ينفصل عن وحدة الحركة التصرّفية، حتى يضرب عليه بذلك حاجز يحجزه عن أن يمتدّ بعيدا، إلى ناحية يحتلّ بامتداده إليها وضعه من سائر العلوم المنتظمة معه في الوحدة الكبرى. ويكون ذلك قاضيا على محاولات كثيرة تتّجه إلى أن تدخل على علم من العلوم توجيهات، وأنظارا، تعتمد في استنباطها على صميم العلم بذاته، ولا تلوي على نواحي الترابط التي بينه وبين غيره، فتأتي الحركة الكبرى، في مدارها الأوسع، نافية لتلك العناصر الجديدة، التي لم تتخذ لنفسها ما يصلها بمدار الحركة، ويزلفها إليه. فبذلك تبقى خارج المدار، منفردة، تسبح، حول نفسها سبحا طويلا، لا تزال تبتعد به عن الاتصال بما تهفو إلى الاتصال به، حتى تتضاءل، وتختفي، ثم تهوي في كلالة، إلى الأفق المظلم، الذي يزخر بأوضاع فكرية كثيرة، لم تستطع الثبات حول المدار الأوسع، في الأفق الأعلى."
وهذا ما قد حدث بين حازم وسائر علماء البلاغة. فإنهم قد أوصلوا هذا العلم إلى أوجه وقمته وربطوه بإعجاز القرآن، وشيدوا بناءه وأثبتوا دعائمه.