فهرس الكتاب
خصص حازم بابًا كاملا في كتابه للكلام عن النظم، وهو عنده شامل لصناعة الشعر كلها. وقد عرّفه في أول الباب قائلا:"النظم صناعة آلتها الطبع. والطبع هو استكمال للنفس في فهم أسرار الكلام، والبصيرة بالمذاهب والأغراض التي من شأن الكلام الشعري أن ينحى به نحوها؛ فإذا أحاطت بذلك علما قويت على صوغ الكلام بحسبه عملا، وكان النفوذ في مقاصد النظم وأغراضه وحسن التصرف في مذاهبه وأنحائه إنما يكونان بقوى فكرية واهتداءات خاطرية تتفاوت فيها أبكار الشعراء."
ولكي يكون الشعر مكتملا، لا بد من وجود بعض القوى الضرورية. قال حازم:"اعلم أن خير الشعر ما صدر عن فكر وَلِع بالفن"، وهو لا يريد بذلك أن الشعر يصدر عن فكر، فقد قرر أنه وليد حركات النفس، وإنما يريد أن يكون لدى الشاعر صدق الإحساس بالتجربة الشعرية."ولهذا كان أفضل النسيب ما صدر عن سجية نفس شجية". ويستدرك حازم على هذه الفكرة حيث يجعل الخيال قادرًا على تعويض تلك التجربة؛ والخيال إنما يتأتى عن طريق الثقافة ودراسة طرق السابقين حتى تصبح للشاعر"قوة على التشبه" (identification) . والشعراء في هذه القوة قسمان:
"فأما من ينسحب تأثير تلك القوة على جميع كلامه أو أكثره فهم الذين لا تحتاج فيهم تلك القوة إلى معاونة من أمر خارج عن الذهن من الأمور الباعثة على قول الشعر، لتوفير تلك القوة فيهم على كل حال. ومن أيمة هذا الصنف: الشريف ومهيار وابن خفاجة."
وأما من لا ينسحب تأثير تلك القوة التشبيهية إلا على الأقلّ من كلامه فهم الذين تحتاج تلك القوة فيهم إلى معاونة بالأمور الباعثة على قول الشعر.""
وهذه القوى التي تحتاج إليها الشاعر لنظم الشعر عشر:
القوة على التشبيه فيما لا يجري على السجية ولا يصدر عن قريحة بما يجري على السجية ويصدر عن قريحة.
القوة على تصور كليات الشعر والمقاصد الواقعة فيها والمعاني الواقعة في تلك المقاصد...