فهرس الكتاب
ويختم بذلك صاحب المنهاج حديثه عن قضية النظم وتقسيماته. ونحس في هذه الفصول كلها أن حازما يتكلم بلسان الشاعر مبيّنا المعاناة في سبيل نظم الشعر ومبديا التجارب في ذلك. ومن ناحية أخرى نراه يعبر بلغة الفلاسفة حين حاول أن يطبق مبدأ الوحدة الأرسطي على الشعر العربي. ولكن الوحدة لم تكن"وحدة تكامل"كتلك التي رسمها أرسطو، بل كانت وحدة تسلسل، مما يتبين لنا من عنوان فصل يتكلم فيه المؤلف عن النظم:"في الإبانة عمّا يجب في تقدير الفصول وترتيبها ووصل بعضها ببعض وتحسين هيئاتها، وما تعتبر به أحوال النظم في جميع ذلك من حيث يكون ملائمًا للنفوس أو منافرًا لها."
الفصل الخامس: المفاضلة بين الشعراء
عدّ الدكتور إحسان عباس حازما أقرب النقاد العرب إلى الواقع في فهمه لمبدأ المفاضلة. فهو قد استطاع أن يحقق ما عجز عنه من سبقه من النقاد، وأن يضع ضوابط واقعية لهذه العملية.
إن المفاضلة عند القرطاجني أمر تقريبي لا قطعي، حيث إن الوصول في المفاضلة إلى درجة الجزم أمر غير ممكن، فالترجيح في ذلك على سبيل التقريب. وسبب ذلك يكمن في الأمور التالية:
أن الشعر يختلف باختلاف أنماطه وطرقه، فشاعر يحسن في النمط الذي يقصد فيه الجزالة والمتانة من الشعر، ولا يحسن طريقة الرقة واللطافة؛ وآخر يحسن في النسيب دون غيره من الأغراض.
أن الشعر يختلف بحسب اختلاف الأزمان وما فيها من الأمور يولع الناس بالتعلق بها في أشعارهم، فهناك زمن تشيع فيه وصف القيان والخمر وما ناسب ذلك ويجيدون فيه، وزمان آخر يشيع فيه وصف الحروب أو الغارات، أو نيران القرى وإطعام الضيوف...
أن الشعر يختلف بحسب الأمكنة وما يوجد فيها مما شأنه أن يوصف؛ فبعض الشعراء يحسن في وصف الوحش (البادية) بينما يحسن البعض الآخر وصف الروض أو الخمر (الحاضرة) .
أن الشعر يختلف بحسب اختلاف أحوال القائلين وأحوال ما يتعرّضون للقول فيه، فواحد يحسن الفخر، والآخر يحسن المدح...