فهرس الكتاب
جعل حازم، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، منبع الشعر واحدًا، حيث إنه وليد حركات النفس، وذلك رغبة منه في تطبيق الوحدة الأرسطية في عمله النقدي. هذه الحركات النفسية تشتمل على ثلاثة عناصر: 1-العوامل المحركة؛ 2-المتحركين؛ 3-العوامل المتحركة والمتحركين معًا."فمعاني الشعر، على هذا التقسيم، ترجع إلى وصف أحوال الأمور المحرِّكة إلى القول أو إلى وصف أحوال المتحرِّكين لها أو إلى وصف أحوال المحرِّكات والمحركين معًا. وأحسن القول وأكمله ما اجتمع في وصف الحالين."
وبما كانت الغاية الكبرى من المعاني الشعرية هي إحداث التأثير والانفعال في النفوس الإنسانية بحملها على فعل الشيء أو التجنب منه (كما تقرّر ذلك عند تعريف الشعر) فإن أدخل المعاني في الصناعة الشعرية وأعرقها فيها هي ما اشتدت علقته بأغراض الإنسان واشتركت فيها نفوس الخاصة والعامة بحكم الفطرة أو العادة.
وأحق هذه المعاني بالتعبير عنها في الأغراض الشعرية هي ما كان معروفا ومؤثرًا في آن واحد، أو كان مؤثرا بعد معرفته وإدراكه. وأحسن الأشياء التي تجمع المعرفة والتأثير معا هي التي فطرت النفوس على استلذاذها أو التألم منها. وهذا يعني أن الشعر من هذه الناحية يهتم بأمور ثلاثة: 1-ما هو مفرح كلقاء الأحبة واجتلاء الروض والماء؛ 2-ما هو مفجع كالتفرّق والتوحش؛ 3- وما هو مستطاب كلذة قد انصرفت فيلتذ الإنسان لتخيلها ويتألم لفقدها. فهذه الأمور تتصوّر بالفطرة، ولذلك يمكن أن نسميها المتصورات الأصلية، وما كان بخلاف ذلك نسميه بالتصورات الدخيلة، وهي التي لا يوجد لها في فطرة النفوس أثر من فرح أو شجو، وإنما هي مكتسبة، كتلك الأغراض التي لا تقع إلا في العلوم والصناعات والمهن.