فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 54

وتجنب صاحب المنهاج الخوض في الاختلافات الواردة في هذه المسألة، بل اقتصر على القول الصحيح في الشعر،"بأن مقدماته تكون صادقة وتكون كاذبة، وليس يعد شعرا من حيث هو صدق ولا من حيث هو كذب بل من حيث هو كلام مخيل."

وكثيرا ما نرى حازما يردد هذا القول في مباحث كتابه؛ ففي موضع يشير إلى الفرق بين الأسلوب الشعري والأسلوب الخطابي من حيث وقوع الصدق والكذب فيهما:"فالشعر إذن قد تكون مقدماته يقينية ومشهورة ومظنونة. ويفارق البرهان والجدل والخطابة بما فيه من التخييل والمحاكاة، ويختص بالمقدمات المموهة الكذب. فيكون شعرا أيضا ما هذه صفته باعتبار ما فيه من المحاكاة والتخييل، لا من جهة ما هو كاذب، كما لم يكن شعرا من جهة ما هو صادق، بل بما فيه أيضا من التخييل."ولم يجوز حازم وقوع الكذب في الشعر مطلقا، بل اشترط أن يكون خفيا حتى يكون الشعر حسنا.

وبيّن أن الشاعر قد يرجع إلى الكذب إذا لم يعوزه الكلام الصادق المشتهر في مقصده:"فقد يريد تقبيح حسن وتحسين قبيح، فلا يجد من القول الصادق في هذا ولا المشتهر، فيضطرّ حينئذ إلى استعمال الأقاويل الكاذبة."وأما إذا أراد تحسين حسن وتقبيح قبيح، فباب الصدق واسع أمامه."وأكثر أقوال الشعراء في هذين القسمين"صادقة، إلا إذا قصدوا المبالغة في كلامهم.

وإذا نظرنا إلى الشعر من زاوية الصدق والكذب، فينقسم الشيء الحسن قسمين: ما هو أحسن في معناه، وما يكون هناك أحسن منه؛ وكذلك القبيح قسمان: ما هو أقبح في معناه، وما قد يوجد أقبح منه."وهذا ينبغي أن تكون الأقوال فيهما صادقة في الأولى والأكثر."وأما الحسن والقبيح اللذان يوجد ما يساويهما أو ما هو أكبر منهما، فالأقاويل الشعرية ترد فيها صادقة وكاذبة، بحسب درجة الاقتصاد أو المبالغة فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت