فهرس الكتاب
وقد يرد القول الصادق في تحسين القبيح وتقبيح الحسن، إذ قد توجد في الشيء الحسن جوانب قبيحة، والقبيح، وإن لم يوجد أقبح منه، قد يوجد في وصف مستحسن. وأورد في هذا المقام قول الجاحظ:"ليس شيء إلا وقد وله وجهان وطريقتان. فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذموا ذكروا أقبحهما."
وأما من حيث وقوع الكذب في الشعر، فمن الأقاويل الشعرية ما هو صدق محض، ومنها ما هو كذب محض. وقد يعرف هذا الكذب من ذات القول، وقد لا يعرف. والذي لا يعرف من ذات القول ينقسم إلى ما لا يلزم معرفة كذبه من خارج القول، وإلى ما يعرف من خارج القول أنه كذب لا محالة.
فالاختلاق الإمكاني - كأن يصف الشاعر حبّه وشجاه من غير أن يحب أو يحس بالشجى - هو مما لا يعرف كذبه من ذات القول، وقد لا يعلم من خارجه أيضا. والاختلاق الامتناعي والإفراط الامتناعي والاستحالي مما يعرف أنه كذب ولا بد.
والإفراط الإمكاني لا يوصف بالكذب لعدم وجود قرينة لمعرفة صدقه أو كذبه لا من ذات القول ولا من بديهة العقل.
بعد هذه التفريعات يشرع حازم في بيان أنواع أغراض الشعر من هذه الحيثية نفسها - وأن من تلك الأغراض حاصلة وغير حاصلة. وتكون الأقاويل في كلا النوعين اقتصادية وتقصيرية وإفراطية. والأقاويل الحاصلة تكون صادقة في حالتي الاقتصاد والتقصير، وما كان إمكانيا من هذا النوع يحتمل الصدق والكذب.
والأصناف الكاذبة هي: الحاصل الممتنع والحاصل المستحيل والمختلق المقصر والمختلق الاقتصادي والمختلف الإمكاني والمختلق الامتناعي والمختلق الاستحالي.
وإذا تأملنا هذه الأنواع نلاحظ أن ما يدخل فيه الكذب أكثر مما يدخل فيه الصدق. لذلك كان لا بد لحازم أن يرجع حيث بدأ - أي إلى البيان بأن الاعتبار في الشعر لا يكون بالنظر إلى الصدق والكذب، بل بالنظر إلى التخييل، وأن الصدق والكذب والشهرة والظن أمور ترجع إلى المفهومات لا إلى المدلولات.