فهرس الكتاب
ولم يقف حازم عند هذا الحد، بل صرّح بأن الصدق أقدر على التحريك من الكذب، وأن تحريك الأقاويل الصادقة عام وقوي، والكاذبة خاص، ولذلك كان ضعيفا.
ثم خرج إلى بيان"أن من قال: إن مقدمات الشعر لا تكون إلا كاذبة كاذب"، وهو في هذا مترسم ما قرأه عند ابن سينا.
وخلاصة رأي حازم في هذه القضية"أن الشعر إنما ينظر إليه من ناحية تأثيره وقدرته على إحداث الانفعال النفساني، فقد يكون صادقا والصدق فيه عاجز عن إحداث الانفعال، وحينئذ يكون الكاذب القادر على إحداث الانفعال خيرا منه."
وفي هذا السياق هاجم حازم المتكلمين الذين زعموا أن الشعر لا يكون إلا كاذبا، وردّ عذرهم إلى ضعف بضاعتهم، وأنهم - عند الكلام في إعجاز القرآن - احتاجوا إلى معرفة الفصاحة والبلاغة، وظنوا أن ذلك يتأتى في يوم وليلة. فبين القرطاجني أن إتقان صناعة العلمين يتطلب وقتا ليس بيسير،"فهي البحر الذي لم يصل أحد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار فيها."
وبهذا التقسيم والتفريع خرج حازم من الاختلافات التي دارت بين النقاد حول قضية الصدق والكذب. وكأنه يشير إلى ما كان عليهم أن يفعلوا - فبدلا من أن يسألوا هل هذا صدق أو كذب كان عليهم أن يبحثوا عن المحاكاة ودرجة تأثيرها في الشعر.
الفصل التاسع: مذهب المطابقة والمقابلة والتقسيم والتفريع
جاء القرطاجني ببعض القوانين الجزئية التي تساعد على الإتيان بالكلام على أمثل صورة. وبدأ كلامه في هذه المسائل بقوله: وأما المتخالفات والمتضادّات فالصيغ فيها تقسيمية وتفسيرية. وبعد هذا التقسيم دخل في شيء من التفصيل فتحدث عن الطباق وخالف قدامة في تسميته بالتكافؤ، وقسّم المطابقة إلى محضة وغير محضة (كلمتان متضادتان) . هذا عن التضاد.
وأما المخالف فهو الذي يقارَن بما يقرب من مضاده كمقابلة الأبيض بالأحمر. ولم يخف حازم عند تعرضه لهذه المسائل إعجابه ببيت المتنبي:
أزورهم وسواد الليل يشفع لي وأنثني وبياض الصبح يغري بي