وانعكست هذه المؤثرات - من سعة الاطلاع والأخذ عن أعلام أفذاذ - على شخصية حازم القرطاجني، حيث تزيّن بكمّ هائل من العلوم اللسانية والحديثية والفقهية. وأورد السيوطي في ذلك أقوال بعض معاصريه حيث ذكر بعد اسمه ونسبه أنه"شيخ البلاغة والأدب. قال أبو حيان: هو أوحد زمانه في النظم والنثر والنحو واللغة والعروض وعلم البيان."ونقل أيضا عن ابن رشيد قوله:"حبر البلغاء، وبحر الأدباء، ذو اختيارات فائقة، واختراعات رائقة، لا نعلم أحدا ممن لقيناه جمع من علم اللسان ما جمع، ولا أحكم من معاقد علم البيان ما أحكم؛ من منقول ومبتدع. وأما البلاغة فهو بحرها العذب، والمتفرد بحمل روايتها، أميرا في الشرق والغرب. وأما حفظ لغات العرب وأشعارها، فهو حماد راويتها، وحمال أوقارها. يجمع إلى ذلك جودة التصنيف وبراعة الخط، ويضرب بسهم في العقليات، والدراية أغلب عليه من الرواية.". وأورد هذا القول، كذلك، المقري في"أزهار الرياض"عند ترجمته لحازم القرطاجني.
2 -هجرته إلى تونس
توالت مدن شرقي الأندلس سقوطا في براثن النصارى، فاضطرّ جمع من الأسر العلمية الأندلسية إلى مغادرة البلاد، والهجرة إلى المغرب أو بلاد الشام والحجاز، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وكان من بين هؤلاء العلماء مترجَمُنا حازم القرطاجني، حيث اضطر إلى مفارقة قرطاجنة بعد أن دفن فيها أباه بزمن يسير. ولا نملك أخبارًا عن توقيت هجرته، لكن يقدر الباحثون أنها وقعت بين سنة 633-637/1236-1239. ولم يقصد حازم تونس توّا، بل مكث بمراكش بعض الوقت، واتصل بالسلطان الموحدي الرشيد أبي محمد عبد الواحد بن المأمون. ولا بد من الإشارة هنا إلى الحركة الثقافية والعلمية التي لوحظت رغم الاضطرابات والفوضى التي كانت تهز المغرب آنذاك."وذلك أن الرشيد كان يولي هذا الجانب من الحياة في دولته عناية خاصة"، حيث كان يغدق على العلماء المقيمين بفاس أموالا كثيرة.