الصفحة 106 من 159

ب - رجوع الاستثناء إلى الجملة الأولى وحدها لوجود قرينة، كقوله تعالى: { وَلَمَّا فَصَلَ طاَلُوتُ بِالُجُنوِد قَالَ: إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيُكُمْ بِنَهْرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اِغْتَرَفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ } (البقرة/249) ، إذ تعود جملة الاستثناء على الجملة الأولى للمناسبة المعنوية بينهما (1) .

الوجه الثاني:

وهو ما يتعين وقوع الاستثناء فيه إلى الجميع - كما سبق - ومن قبيله قوله تعالى: { ِإنَّمَا جَزَاءُ الذينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ويسعون فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَّتَلُوا أَوْ يُصْلَبُوا أوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيِهْم وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } (المائدة / 33و34 ) . فجملة الاستثناء متعلقة بكل الجمل المذكورة قبلها، ويكاد يجمع علماء الأصول على ذلك (2) .

وخلاصة القول إن نخبة علماء الأصول، وفي مقدمتهم ابن حزم، قد بذلوا الجهد في دراسة ظاهرة الاستثناء في علاقتها بالدلالة، التي تمثل الحكم الشرعي في النص، وكانت دراستهم له باعتباره ظاهرة لغوية أولا، ودليلًا لتخصيص العام ثانيًا. وهذا جد مهم بالنسبة إلى المتصدي للفتوى واستنباط الأحكام من أدلتها، وقد لخص أرنلديز ذلك بقوله: إنّ منطق الاستثناء يجب أن يخترق كل جزئيات اللغة ودقائقها، وليس هذا فحسب، بل عليه أن يتعدى إلى الجملة، بغية تحديد ما تحمله من معنى دقيق يمثل الحكم الشرعي" (3) ."

(1) - القرافي، الاستغناء، ص 672 وما بعدها ..

(2) - محمود توفيق، دلالة الألفاظ، ص 211 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت