فهرس الكتاب
الفصل الثالث
البيان عند ابن حزم بين التأصيل والإجراء
لعلنا لا نكون مبالغين إذا قلنا إن النص الديني كان - ولا زال - المحرك الأساس لدواليب الحضارة عند المسلمين، فقد كانت هذه الأخيرة نصية بالدرجة الأولى، تعنى بالبيان وكيفية تبليغه، بل والتأثير من خلاله في الآخرين، فتتغير حالهم من وضعية إلى أخرى.
وقد يكون من اللازم ونحن نخوض غمار تجربة نصية، رائدها مفكر من كبار مفكري الحضارة الإسلامية، أن نقف مع آرائه المتميزة في كيفية فهم الخطاب الديني، وتقويمه في حياة المسلم، بآليات تفسيرية تتماشى وروح النظرية الظاهرية، التي تؤكد مبدأ وحدة النصوص مع الاعتماد على منطق البرهان والمسموع من اللغة .
وسيكون الاهتمام في هذا السياق مُنصبًا على إبراز مفهوم البيان وملامح النظرية البيانية عند ابن حزم، وعلاقتها بالإعجاز القرآني، بوصفه مدخلًا للحديث عن القرآن كنص متسق يحقق مبدأ الإنسجام، له خصائصه المتميزة التي تحافظ له على قدسيته، كما تثير هذه المقاربة مجموعة من التساؤلات حول النبوة كظاهرة مصاحبة للإعجاز القرآني بإبراز مواقف المؤيدين للظاهرة والمخالفين لها وموقف ابن حزم من ذلك الجدل كله، بالإضافة إلى عرض موقفه الطريف القائل بالصرفة كوجه للإعجاز القرآني .
-مفهوم البيان ومراتبه:
يمثل باب البيان موضوعًا بالغ الأهمية في تفسير النصوص،، من حيث كونه مجالًا شاسعًا لدراسة معاني الألفاظ، ودلالات التراكيب في النصوص. ولهذا اغتنت كتابات الأصوليين بالبحث في ماهيته وأركانه وأقسامه وحدوده اللغوية والبرهانية بتأثير من علم الكلام وعلوم النقل الإسلامية، وسنحاول بدء التعريف به عند ابن حزم في ضوء مفهومه العام في المقاربة الأصولية.