الصفحة 132 من 159

لعلنا نجد في ظاهرة النسخ صورة أخرى للاحتفاء بالسياق العام، الذي ترد فيه النوازل المصاحبة للوحي في طور النبوة، إذ ربما نزلت الآية في سياق معين، ثم تنسخ في موقف آخر، بعد أن تكون العقول قد تهيأت نسبيًا لطرح عادات وتقبل أخرى. لقد غدا النسخ مظهرًا دالًا بنفسه على تطور التشريع، وتطور المجتمع المسلم الجديد في المدينة. ولما كان النسخ آلية تمس النصوص الممثلة للخطاب الديني، مراعاة لمقامات معينة فرضتها الحياة، فإنه من الممكن اعتباره صورة وشاهدًا في الآن نفسه، في التفكير اللساني الأصولي، على ظاهرة ضرورة ربط المقال بالمقال المناسب له، ولذلك اشترط العلماء، وفي مقدمتهم ابن حزم، العلم بالناسخ والمنسوخ، لكل متصدر للفتيا بين المسلمين، وهذه المعرفة تساعد المفسر عمومًا على فهم معاني القرآن، والاحتياط من الوقوع في الزلل (1) .كما تعد هذه الظاهرة الوثيقة الصلة بالنص، دليلًا على علاقة الوحي بالواقع، ولعلها تثير في الأذهان مشكلة عقدية، تمثل أزلية الوجود الكتابي للنص في اللوح المحفوظ، إذ يفترض أن نزول آيات، ثم نسخها تلاوة، أو حكمًا، أو بالشكلين معًا، نفي لهذه الأبدية، والحق أن القدماء تنبهوا إلى هذه المشكلة، وفي مقدمتهم ابن حزم، حين ربط هذه الأبدية بسبق علم الله بأنه سيحيل عباده عن أوامر معينة إلى أخرى، فإذا جاء ذلك الوقت بيّن ما كان مستورًا عنا من النقل عن ذلك العمل إلى غيره، وإن كان معلومًا لديه ثابتًا لم يتغير (2) . كما نسب هذه المقالة في كتابه الفصل إلى اليهود، الذين رأوا تعارضًا بين النسخ والحكمة الإلهية واعتبر ذلك تعقيبًا منهم على الخالق تبارك وتعالى، يقول في الرد عليهم: أخبرونا أي حكمة وجبت عليه تعالى أن يأمر أمس بما أمر به، أترى لو لم يأمر تعالى بما أمر لكانت تبطل حكمته؟

(1) - حسن يونس حسن عبيدو، دراسات ومباحث في تاريخ التفسير ومناهج المفسرين،

ص 12.

(2) - ابن حزم، الإحكام، 04 / 59 و 70 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت