فهرس الكتاب
كما يستدل بقوله تعالى: { مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } (البقرة/106) . وظاهر القول إن النسخ عائد على الآية لا على الفعل (1) ، وهذا يعني من باب أولى، أن النسخ مرتبط بالكلام الذي صيغته أمر أو نهي أو ما يقوم مقامها، أما الخبر المحض والاستفهام، فلا يمكن وقوع النسخ فيهما، لأن الرجوع عن
الخبر أو الاستفهام استدراك، وهذا منفي عن الله فالاستدراك عادة لا يكون إلا عن سهو أو نسيان أو جهل، ثم إن المرجوع عنه، إنما هو تكذيب للخبر المرجوع عنه (2) ، وللنسخ أركان أربعة هي: أداة النسخ، والناسخ، والمنسوخ، والمنسوخ عنه، ويمثل الركن الأول القول الدال على رفع الحكم الثابت، في حين يمثل الركن الثاني الله، باعتباره ناسخًا للأوامر ومزيلًا لها، أما المنسوخ فهو ما رفع من أحكام، أما المنسوخ عنه، فهو المتعبد المكلف بأحكام الشريعة (3) .
هذا، ويمتاز البداء عن النسخ، إذ يعني في اللغة الظهور بعد الخفاء، أما النسخ فينتفي فيه معنى الظهور، ثم الاختفاء ؛ لأن ذلك يعني أن أمورًا كانت خافية على علم الله، ثم ظهرت، وهذا محال يخالف التنزيه الإلهي ؛ يقول تعالى: { وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمْ } (الحديد / 03 ) . وأما البداء، فهو صفة بشرية تمثل محدودية العلم الإنساني المتغير، يقول تعالى واصفًا حال الكفار يوم القيامة: { وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبون } (الزمر / 47) ، أي ظهر لهم ما لم يتوقعوه، ومعلومًا لديهم.
-حركية النسخ في ضوء علاقة النص بالواقع:
(1) - ابن حزم، الإحكام، 04 / 65 .
(2) - ابن حزم، الإحكام، 04 / 72، ص 08 .
(3) - الغزالي، المستصفى، 02 / 78 .