الصفحة 134 من 159

أدى الصراع حول طبيعة كلام الله، بين الأشاعرة والمعتزلة من جهة، والمعتزلة والحنابلة من جهة ثانية، إلى حدوث فتنة عقدية كان لها آثارها في الفكر السياسي الإسلامي، وكذلك في البنية الاجتماعية والثقافية في العصر العباسي، وبين أحضان الفكر الاعتزالي تحاور المسلمون في طبيعة كلام الله: أهو مخلوق حادث أم قديم؟ فالمعتزلة لا يعتبرون الكلام صفة من صفات الذات، شأنه شأن السمع والبصر، ومعنى ذلك أنه ليس أزليًا، ودليلهم في ذلك القرآن الذي ورد بالأمر والنهي والوعد والوعيد وكل ذلك يقتضي وجود المأمور، الذي هو محدث وغير قديم، ثم لو كان الكلام أزليًا لكان قديمًا مشاركًا لله في القدم، وينتفي هذا مع أصل هام من أصولهم، وهو التوحيد (1) . والقرآن ذاته شاهد على اختلاف الخطاب بين الرسل والأنبياء والأمم، التي قضى هذا الكتاب أحوالها من خلال الزمن، وليس هناك شيء أدل على حدوثه - عندهم - من قوله تعالى: { مَا يَأْتِيِهْم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ } (الأنبياء / 02 ) ، وقوله تعالى: { مَا نَنْسَخُ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } (البقرة / 106) . فالنسخ دليل على التغيير، والتغير حالة للمحدث، فثبت بهذا كونه مخلوقًا والحقيقة أن القول بخلق القرآن كان أكثر الأقوال التي تعصب لها المعتزلة، لا لأنه مرتبط بالتوحيد فحسب، ولكن تفاديًا للتشبّه بالمسيحية، التي رأت عيسى أو الأقنوم الابن كلمة الله الخالدة الأزلية، فيحُلّ بذلك القرآن في نفوس المسلمين نفس المحل الذي تشغله كلمة الله في نفوس المسيحيين، أما الحنابلة فقد أقروا بأن القرآن كلام الله، لا يزيدون على ذلك، فلا يقولون مخلوق أو قديم، لاعتبارات منهجية وموضوعية، أهمها:

-عدم إشارة الرسول (ص) إلى هذه المسألة أو حمل الناس عليه في زمنه أو في زمن الصحابة من بعده بأي وجه من الوجوه .

(1) - القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ص 87 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت