فهرس الكتاب
أما خصوم ابن حزم، فقد ذهبوا إلى أن الأصل في النصوص التعليل بكل وصف صالح لإضافة الحكم إليه، حتى يوجد مانع؛ لأن الأدلة الشرعية دلت على حجية القياس عندهم، من غير تفرقة بين نص وآخر، ويختار الشافعية وبعض الحنفية موقفا ثالثًا، مبدؤه التعليل في النصوص بوصف، ولا بد في ذلك من دليل يميز الوصف، الذي هو علة من بين سائر الأوصاف، في كونه متعلق الحكم، بخلاف الموقف السابق الذي لا يفرق بين الأوصاف، ويعدّ كل واحد منها أصلًا للتعليل (1) .
ويحسن بنا في هذا المقام التوقف قليلًا مع منهج القرآن الكريم، في تعليل النصوص من الناحية الأسلوبية، في سياق دفع المفاسد وجلب المنافع للناس، أو ما يعبر عنه بلغة الأصوليين مقاصد الشريعة الإسلامية، وهذه بعض الصور (2) .
أ - قد يفهم السامع حين يذكر القرآن وصفًا يترتب عنه حكم أن هذا الحكم يدور مع ذلك الوصف أينما وجد، كقوله تعالى: { سورةٌ أنزَلْناها وفَرَضناها وأَنْزَلْنا آيات بَيْناتٍ لَعَلّكُم تَذَكَّرُون } (النور / 01) .
ب - وفي سياقات يظهر الحكم وسببه معًا، كقوله تعالى: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ } (النساء / 160) .
ج - كما يذكر معللًا إياه بحرف من حروف التعليل، كقوله تعالى: { وَصَلِِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلواَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } (التوبة / 103) .
د - كما يقرن الحكم بالمصلحة التي لأجلها كان الأمر، أو المفسدة التي لأجلها كان النهي، كقوله تعالى: { إِنَّما الْخَمْر ُوَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونْ } (المائدة / 90 ) .
(1) - السرخسي، أصوله، 02 / 144 .
(2) - مصطفى شلبي، تعليل الأحكام، ص 14 وما بعدها .