الصفحة 142 من 159

يوضح القضية؛ فقد ذهب الفقهاء - مثلًا - إلى أن سبب تحريم الخمر هو صدها عن ذكر الله والصلاة، وإيقاعها للعداوة والبغضاء بين الخلق. والظاهر من كلام ابن حزم انتفاء هذه الأسباب جميعها، لتحريم الخمر، فليس كل من يشربها تفسد أخلاقه، فكثير من شاربيها يبكون ويكثرون من ذكر الآخرة والإشفاق من جهنم، كثيرًا ما يزول سفههم وتؤمن غوائلهم، ويبقى إزاء هذا تحريمها لإرادة الله ذلك فقط. ومعلوم أنها كانت حلالًا مدة ستة عشر عامًا، ولو كان ما ذكر من صفاتها سلفًا سببًا لتحريمها لما وجدت إلا وهي محرمة مطلقًا، فهي قد كانت وما تزال مسكرة، وما قوله تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ الْشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِوَالمَيْسِرِ } (المائدة / 91 ) ، إلا إخبار عن سوء معتقد الشيطان فينا (1) .

وجملة الأمر أن ابن حزم ومن وراءه نفاة التعليل والقياس، يؤثرون في مجال الاستنباط بشكل عام استصحاب الحال، ويجعلونه أصلًا مستقلًا، ولا يقبلون التعرف إلى الأحكام بعد استخراج العلل من النصوص، وإلحاق الأشباه بالأشباه مثلما، يفعل الجمهور من الفقهاء من أصحاب المذاهب المعروفة في فكرنا الفقهي. فهؤلاء على نقيض ابن حزم ومن وافقه، يرون الشريعة نصوصًا، ولكنهم مع ذلك لا يفهمون منها مجرد المعاني الظاهرة، إنما يفهمون ما تدل عليه من مقاصد وعلل، هي مناط للأحكام التكليفية، فيوسعون بذلك أفق الفقه، ويفتحون باب الاجتهاد من طريق رفع الحجر المضروب على العقول، كي تفكر في الشرع، لتطبقه لاحقًا على كل ما يجد من أحداث، مع احترام لقدسية النص، والتقيد بنصه إن وجد وبروحه إن فقد (2) .

(1) - ابن حزم، الإحكام، 08 / 89 .

(2) - أبو زهرة، ابن حزم، ص 452 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت