فهرس الكتاب
تقوم فكرة تعليل النصوص على تناهي النصوص، في مقابل عدم تناهي الأحداث، مما يستوجب البحث عن علّة جامعة بين حدثين أحدهما أصل ثابت في النص، وثانيهما مستجد لا حكم له، ثم تتم بعد ذلك عملية القياس، فيأخذ الثاني حكم الأول. وابن حزم، بالرغم من تسليمه بمعقولية المعنى في النص ذاته، وتماشيه مع مصلحة العباد، يقصر كل نص على موضوعه، ولا يسمح بتجاوز معناه لغيره، كما لا يقبل بأن تكون الشريعة معللة في أحكامها، إلا ما ورد فيه نص يؤكد ارتباط حكم بعلة ما، وصاحب الشريعة لا يسأل عما يفعل، ومن ثم فإن أفعاله لا تعلل، ومن بينها ما شرعه لعباده، بيد أن ابن حزم في هذا السياق لا يفرق بين أفعال الله، وبين نصوص الشريعة والأغلب أنهما مفترقان، يقول: ... فأخبر تعالى بالفرق بيننا وبينه، وأن أفعاله لا تجري فيها"لمَ"، وإذا لم يحل لنا أن نسأله عن شيء من أحكامه تعالى وأفعاله"لم كان هذا؟"فقد بطلت الأسباب جملة، وسقطت العلل البتة، إلا ما نص الله تعالى عليه أنه فعل أمر كذا لأجل كذا ... " (1) . ويعلق الأستاذ أبو زهرة على موقف ابن حزم بقوله: إن من يبحث عن علل النصوص لتحقيق مراميها في أبعد مدى لا يجعل الله سبحانه وتعالى مسؤولًا، إنما ليحقق مسؤولية العباد بمقتضى النصوص، في أوسع مدى، وأبعد غاية " (2) . ثم إن تعليل النصوص قد ورد بنص الكتاب والسنة، وكان في إطار روح الدين المبني على تفهم المقاصد العامة للشريعة، من حفظ النفس، والمال، والدين، والعقل، والعرض، مع وجوب التمييز بين نوعين من النصوص، فما يصدق على الكلام هنا هو النصوص غير التعبدية، أما التعبدية فلا يجوز التعليل لها، إذ حفظت حكمتها لله سبحانه وتعالى، وأغلب ما يعلل مرتبط بمعاملات الناس فيما بينهم. ويمكن بعد أن تعرفنا في إجمال على موقف ابن حزم من فكرة التعليل، أن نضرب لموقفه هذا مثلًا
(1) - ابن حزم، الإحكام، 08 / 102 و 08 / 90 .
(2) - أبو زهرة، ابن حزم، ص 437 .