الصفحة 29 من 159

يقدم ابن حزم وصفًا علميًا مبنيًا على الملاحظة المباشرة للصوت بوصفه حدثًا فيزيائيًا ؛ فيقول إنه " هواء مندفع من الحلق والصدر والحنك واللسان والأسنان والشفتين إلى آذان السامعين " (1) . ويبدو أن هذا التعريف ينحو إلى إبراز عناصر التصويت المتمثلة في الهواء والأعضاء المخصوصة بالعملية النطقية والطرفين المعنيين بالبث والاستقبال، ويحدّه في سياق آخر بأنه نتاج تحريك عضل الصدر واللسان بهواء مندفع (2) . ومن المعلوم أن الصوت يخرج مستطيلًا ساذجًا حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده، فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا" (3) ."

ويمكن أن يكون كلام ابن حزم دليلًا على إدراكه للعلاقة الكائنة بين اللغة وصاحبها، أو بعبارة أخرى بين الكلام وفاعله، بوصفه مجموع الأصوات التي يصدرها جهاز نطق إنساني يؤلف بينها لقصد محدد. فالهواء المندفع بالتحريك يكون محركًا، والناطق هو المحرك له (4) ، ثم إن هذه العملية النطقية، بوصفها فعلًا اختياريًا متصرفًا في وجوه شتى غرضها تعريف الغير عما في الضمير من إرادات (5) ، كما أن المتكلم لا يتسنى له صياغة الكلام إلا إذا كان واعيًا ومدركًا لمحتواه الدلالي وموافقته لنظام الترميز المتعارف عليه. لذا يقول ابن حزم مؤكدًا: " .. والوجه الثاني بيانها عند من استبانها وانتقال أشكالها وصفاتها إلى نفسه واستقراره فيها بمادة العقل الذي فضل به العاقل من النفوس وتمييزه لها على ما هي عليه، إذ من لم يَبِنْ له الشيء لم يصح له علمه ولا الإخبار عنه " (6) .

(1) - ابن حزم، الفصل، 03 / 09.

(2) - ابن حزم، الفصل، 05 / 33.

(3) - ابن سنان الخفاجي، سر الفصاحة، ص 15 .

(4) - ابن حزم، الفصل، 05 / 33 .

(5) - ابن حزم، الإحكام، 07 / 29 .

(6) - ابن حزم، التقريب، ص 08.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت