الصفحة 89 من 159

وحسمًا للمشكلة، يصرح ابن حزم قائلًا:"إذا أوقع الموقف الأول - جلَّ وعزَّ - اسمًا على مسمى ما مدة ما أو، في معنى ما، ثم نقل ذلك الاسم إلى معنى آخر في مكان آخر، فلا كذب في ذلك ... وإنما يكون كاذبًا من نقل هنا اسمًا عن موضوعه في اللغة إلى معنى آخر يلبس به بلا برهان ... وكذلك حال من اصطلحا على أن يسميا شيئًا ما باسم ما مخترع عندهما، أو عن شيء آخر ليتفاهما به لا ليلبسا به، فلا كذب في ذلك " (1) . ويرى في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي نذكره الآن، معينًا له على نفي المجاز، إلا بدليل، تحرزًا من الوقوع في التأويل والتلاعب بمواصفات اللغة، تحقيقًا لمآرب وأهواء خفية، يقول (صلى الله عليه وسلم) :" لَيَشْرِبُنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتيِ الخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اِسْمِهَا" (2) ."

الحقيقة الشرعية والعرفية:

تمثل بالحقيقة الشرعية دلالة اللفظ المستفادة من الشرع، دلالة غير ما كانت عليه في الأصل بالوضع اللغوي. ورغم تسليم القدماء بإمكان النقل من الحقيقة العرفية إلى الشرعية، إلا أن خلافًا حصل بين المعتزلة والأشعرية في وقوعه ؛ فالمعتزلة ينفون الدلالة الأولى العرفية بعد النقل إلى الشرعية، فالصوم دال دلالة حقيقية شرعية على تلك العبارة المخصوصة، ومعناه العرفي منسيّ لا يتبادر إلى الذهن عند الاستعمال (3) . ويذهب الأشعرية إلى جواز دلالتها بالوجهين في كل حال، فالنقل عندهم جزئي وليس كليًا، فالصوم دال على الإمساك لكن شرط اعتبارات أخرى .

(1) - ابن حزم، الإحكام، 1/ 29 .

(2) -ابن حزم، الإحكام، 1 / 30. والحديث رواه ابن ماجة في السنن، باب العقوبات.

(3) - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت