وعدل، لا بجهل وظلم، فإن العدل واجب لكل أحد وعلى كل أحد، في كل حال، والظلم محرم مطلقا لا يباح قط بحال قال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} [سورة المائدة الآية:8] . وهذه الآية نزلت بسبب بغضهم للكفار، وهو بغض مأمور به، فإذا كان البغض الذي أمر الله به قد نهي صاحبه أن يظلم من أبغضه، فكيف في بغض مسلم بتأويل أو شبهة أو بهوى نفس؟! فهو أحق أن لا يظلم، بل يعدل عليه" [1] ."
وقال:"والعدل مما اتفق أهل الأرض على مدحه ومحبته والثناء على أهله ومحبتهم. والظلم مما اتفقوا على بغضه وذمه وتقبيحه وذم أهله وبغضهم، والعدل من المعروف الذي أمر الله به وهو الحكم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أكمل أنواع العدل وأحسنها، والحكم به واجب على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى من اتبعه، ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر."
وهذا واجب على الأمة في كل ما تنازعت فيه الأمور الاعتقادية أو العملية. قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم} [سورة البقرة الآية 213] . وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [سورة الشورى الآية:10] .
فالأمور المشتركة بين الأمة لا يحكم فيها إلا الكتاب والسنة ليس لأحد أن يلزم الناس بقول عالم ولا أمير ولا شيخ ولا ملك ومن اعتقد أنه يحكم بين الناس بشيء من ذلك ولا يحكم بينهم بالكتاب والسنة، فهو كافر! وحكام المسلمين يحكمون في الأمور المعينة ولا يحكمون في الأمور الكلية، وإذا حكموا في المعينات فعليهم أن يحكموا بما في كتاب الله، فإن لم يكن فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوا اجتهد الحاكم برأيه" [2] ."
والله تعالى قد أمر المؤمنين كلهم أن يعتصموا بحبله جميعًا ولا يتفرقوا، وقد فسر حبله بكتابه، وبدينه، وبالإسلام وبالإخلاص وبأمره، وبطاعته، وبالجماعة، وهذه كلها منقولة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وكلها صحيحة، فإن القرآن الكريم يأمر بدين الإسلام، وذلك هو عهده وأمره وطاعته، والاعتصام به جميعًا إنما يكون في الجماعة ودين الإسلام حقيقته الإخلاص لله، وفي صحيح مسلم من
(1) منهاج السنة ج 5 ص 126.
(2) تابع كلام شيخ الإسلام ابن تيمية .. من كتاب منهاج السنة ج5 ص 132 وما بعدها.