الصفحة 6 من 13

ولقد أضفت السيدة سوزان على مذكراتها روحًا كنسيًا وطابعًا مسيحيًا خالصًا مما يدهش له القارئ، ويعجب كيف عاشت هذه السيدة في مصر خمسين سنة ولم تستطع أن ينشرح صدرها لطوابع مصر الإسلامية، بل على العكس من ذلك ظل بيتها سجنًا رهيبًا للغة الفرنسية فلم يكن أحد فيه يتكلم العربية حتى ابن عميد الأدب لم يعرف العربية وقد استطاعت أن تبني ذلك الحاجز الخطير بين مصر وتقاليدها وقيمها العربية الإسلامية وبينها فظلت حتى آخر أيامها لا تكتب ولا تتكلم ولا تعيش إلا في جو فرنسي وما في حياتها شيء أبدًا يوحي بالروح العربية أو الإسلامية فهي في ليلة عيد الميلاد تستمع إلى قداس منتصف الليل من الراديو تبحث عن محطة فرنسية، وهي لا تستقبل إلا هؤلاء القساوسة والكردينالات الفرنسيين الغربيين. لقد عاشت هذه السيدة في مصر هذه المدة الطويلة دون أن تتمصر أو تتعرب أو تجد رائحة هذا الجو وإنما عاشت في تعصب وإصرار على جوها الفرنسي الغربي المصطنع.

ولقد كشفت السيدة طه حسين تلك الصورة القاتمة التي كان يعيشها الدكتور طه حسين، أزمات وراء أزمات وأحداث متوالية من الضيق والمصاعب والمشاق والتطلعات والبحث عن الموارد الجديدة من كل مكان فما صفت الحياة يومًا وهي في كل هذه الحلقات تعطي انطباعًا سيئًا مظلمًا متجهمًا لحياة طه حسين وأيامه وقد صورته بصورة الرجل الخائف المذهعور الذي تنتابه الأحداث من كل ناحية فإذا به ينقبض ويعتزل بينه وبين الناس الأبواب ولا يستطيع أن يرفع رأسه إلى السماء ليدعو الله أن يفرج عنه.

وتقول السيدة: على الرغم من دعوة الجامعة والصحيفة (جريدة السياسة) فقد بقى وضعنا المادي في منتهى السوء وبعد مماطلة ومضايقات انتهى المجلس إلى الموافقة على زيادة ضئيلة قدرها أربعة جنيهات للأساتذة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت