فهرس الكتاب
وعندما هبَّت الفتنة في الأندلس، وظهرتْ بوادر التحزب والقبلية بين العرب والبربر، أو بين العرب مع بعضهم، كقيس ويمن، أو المضرية والقحطانية - ضعُف شأنهم، وصار بينهم عداءٌ وقتال، أدَّى إلى ضياع الأندلس، ولقي المسلمون من الهوان والتشتت والأهوال ما يشيب الوليدَ، ويبكي المارد، ويفزع الجبابرة، على أيدي محاكم التفتيش والنصارى الحاقدين، الذين صفا لهم الجو بتمزيق المسلمين بعضهم لبعض؛ حتى صاروا لقمة سائغة لأعدائهم.
إن طارق بن زياد، وصلاح الدين الأيوبي، والكثيرين من الأتراك والفرس وغيرهم - ما يزالون يعطون البرهان الجلي على أن الدعوة إلى النعرات والعصبيات الجاهلية هي بدع، كانت وما فتئت تضرُّ ولا تنفع، وتشتِّت ولا توحِّد، وتفرِّق ولا تجمع.
إن صلاح الدين وطارق بن زياد ومحمود الغزنوي ومحمد الفاتح - قد أدوا خدمات جُلَّى للإسلام والمسلمين، وانتشر الإسلام وقَوِيَ على أيديهم، وهم ليسوا عربًا، وأن البخاري ومسلمًا وأضرابهما قد حفظ اللهُ بهم الدينَ، وكانوا أعلامًا يهتدى بهم في معرفة السنة النبوية، ولم يكونوا من العرب، وأن الأفكار التي تنادي بقوميات وعنصريات في هذا العصر قد أضرَّتْ كثيرًا بالإسلام والمسلمين، وأضعفت الأواصر والروابط بين المسلمين جميعًا، وضعف شأن الدين والعقيدة في النفوس، وصارتْ عند كثيرين أقوى من رابطة الدين رابطة الوطن والقومية، وعلى هذا المسلك غير الحميد رأينا نكساتٍ حلَّتْ بالعالم الإسلامي، وأقوى أسبابها وأفدحها الدعوات القومية والعنصرية، كدعوة مصطفى كمال أتاتورك للقومية التركية، والدعوة إلى القومية العربية التي نادى بها بعضُ زعماء العرب في مطلع القرن العشرين وإلى هذا الحين.
فقد انعزلتْ تركيا، وتخلَّتْ عن مكانتها العظيمة في العالم الإسلامي؛ بل في العالم أجمع، وأصبحتْ ذَنَبًا للغرب، يتفضل عليها بمنٍّ وعنجهية، بما يمدها به من معونات وقروض، بعد أن كانت رأسًا في العالم الإسلامي، لها صوتها المجلجل، وهيبتها المحترمة.
وإن كانت تركيا قد أظهرتْ بوادرَ طيبةً في الآونة الأخيرة، وأدركت أن الغرب الذي