ولكنّ التفسير الذي قدمه الآب روبير كاسبار لمسلك الفكر اللاهوتي القائم على ميراث أسطورة يوحنا الدمشقي لم يصب كبد الحقيقة، فقد بيَّن طرائق اللاهوتيين في التعاطي مع حقيقة الوحي القرآني، إلا أن قطعه بأن اللاهوتيين لم يدركوا جوهر الحقيقة القرآنية القائم عليها جوهر الاعتقاد الإسلامي تقوم دونه شواهد عدة:
ليس أعلاها قدرًا مئات الآلاف من النصارى المهتدين للإسلام وفي مقدمتهم العديد من اللاهوتيين أمثال: الحسن بن أيوب، وعلى بن ربن الطبري، وإبراهيم خليل أحمد، ونصر بن عيسى بن سعيد المتطيب، وعبدالله يحيى، وعبد الأحد داود، وعبد الله الترجمان ... إلخ، والذين ما كانوا ليتركوا ما هم عليه من اعتقاد وما هم فيه من سلطان كهنوتي إلا لإدراكهم جوهر الحقيقة القرآنية وقناعتهم بأنهم قد اختاروا الأصوب والأجدر بالقناعة.
وليس أدناها قدرًا اتهام جميع اللاهوتيين النصارى بالغباء والجهل منذ ظهور الإسلام حتى اليوم، وذلك ما لا يعقل ولا يقول به عاقل.
إنما مردُّ الأمر كله إلى أسباب أُخر حالت بين مفكري اللاهوت والإقرار بحقيقة الوحي القرآني، منها:
1 ـ تهديد الوحي القرآني للسلطان الكهنوتي للاهوتيين، ذلك السلطان الذي منحهم صفة القداسة والعصمة، ومنحهم حق التشريع وإقرار العقائد وتقنين الكتب المقدسة، مما نبّه عليه القرآن الكريم في
قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] .
وقد فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم تلك الربوبية بالتشريع، عندما سمع عديَّ بن حاتم الطائي (وكان نصرانيًا قبل الدخول في الإسلام) قول الله تعالى