أما في حال الإقرار فقد سبق أن بعض الفقهاء يشترطون أن يتكرر الإقرار أربع مرات كما يرى جمهور الفقهاء صحة الرجوع فيه من المقر بالزنا، بينما يرى ابن أبي ليلى عدم صحة الرجوع، وقوله هذا مخالف لما صح من السنة في هذا الخصوص. [1]
أما القرائن الدالة على وقوع الزنا كظهور الحمل في المرأة غير المتزوجة أو المتزوجة برجل لا يمكن نسبة الحمل إليه لمرض يحول دون إمكان ذلك من الأسباب، فيرى أبو حنيفة والشافعي وأحمد أنه إذا لم يكن دليل على الزنا غير الحمل وادعت المرأة أنها أكرهت أو وطئت بشبهة فلا حد عليها فإذا لم تدع إكراها ولا وطئا بشبهة فلا حد عليها أيضا ما لم تعترف بالزنا لأن الحد في الأصل لا يجب إلا يبينه أو إقرار [2] .
ب القذف:
والنص الذي يتضمن العقوبة على ارتكاب هذا الجرم مذكور فيقوله تعالى: (والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) سورة النور.
وقد أخذ الفقهاء من هذه الآية عقوبة قذف المحصنة والمراد بها هنا العفيفة وقال بعضهم المراد بها المسلمة وقد بينت الآية العقوبة وهي ثمانون جلدة وذلك إذا عجز القاذف عن الإتيان بشهود أربعة على أن ما قذف به المحصنة من الزنا صحيح. وفي الآية عقوبة أخرى للقاذف هي عدم قبول شهادته وسيأتي لذلك مزيد بيان.
وقد خالف في ذلك الفقيه سعيد بن جبير التابعي فقال أن هذه الآية خاصة بالذين خاضوا في حديث الأفك وقال. إنما كان هذا في أمر السيدة عائشة خاصة.
وبناء على هذا الرأي فلا تنفذ عقوبة الجلد الواردة في الآية فيمن قذف محصنة ويستفاد من مضمون قول ابن جبير السابق أن جزاء القاذف المحصنة التعزيز لا غير [3] .
ولم نجد من يوافق ابن جبير على رأيه وأهل المذاهب جميعا يقولون أن الآية وأن كانت قد نزلت بسبب حادثة الأفك إلا أنها قد تضمنت حكما عاما وهو عقوبة من يقذف المحصنة.
والآية صريحة في ترتيب هذه العقوبة على قذف المحصنات ولم تتعرض لعقوبة من يقذف المحصن وقال الفقهاء أن الإجماع قد انعقد على جعل عقوبة من قذف المحصنة عقوبة أيضا
(1) ص166 جـ2 الزيلعى
(2) جـ1 ص192 المغني لابن قدامة، جـ8 ص81 شرح الزرقاني
(3) الفقيه سعيد بن جبير من التابعين وأحد أعلام الفقه والتفسير قتله الحجاج في سنة 95هـ، وقد نقل هذا الرأي عنه الطبري في تفسيره جـ18 ص53 - طبع المطبعة اليمنية بمصر.