ولذلك فقد جاء ذكرها في القرآن أكثر من غيرها ن الفرائض وليس لها بديل يقوم مقامها كما في الصوم وليس هناك من الرخص ما يسقط وجوبها كذلك، بل أن ما تناولها من الرخص يرجع إما إلى قصر عدد ركعاتها أو تغيير في بعض هيئاتها أو من جهة التأخير والتقديم في بعض مواقيتها، بل إنها في حالة الحرب لا تسقط وإنما نؤدي بالصورة التي تتمشى مع الوضع العربي، وما هذا إلا لأنها غاية بالاعتبار المتقدم، والغايات يحتاط لها ما لا يحتاط للوسائل ولذلك أيضًا لا تجوز فيها النيابة بإجماع العلماء، ولكنهم اختلفوا فيما يتعلق بالنيابة في كل من الصوم والحج [1] .
والجهاد رغم ما رتبه الله عليه من الفضل ليس غاية في ذاته بل هو وسيلة لدفع مفسدة أو جلب مصلحة وليس هو الوسيلة الوحيدة فقد تحقق الجزية والصلح ما يحققه الجهاد من الآثار.
وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرًا من بلاد العجم، على ما أخذوه منهم، وتركوهم على ما هم فيه، وهم قادرون على استئصالهم. وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا من أهل البلاد على مال يؤدونه، من ذلك خيبر، رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف [2] .
وقد أشار ابن عبد السلام إلى نحو ذلك عندما قال: وقد سئل عليه السام أي الأعمال أفضل؟ فقال: (إيمان بالله) قيل ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) ، قيل ثم أي؟ قال (حج مبرور) ، جعل الإيمان أفضل الأعمال لجلبة لأحسن المصالح، ودرئه لأقبح المفاسد، مع شرفه في نفسه وشرف متعلقه.
ثم أضاف بن عبد السلام قوله، وجعل الجهاد تلو الإيمان، لأنه ليس بشريف في نفسه، وإنما وجب وجوب الوسائل - وفوائده ضربان أحدهما مصالحة. وهي منقسمة إلى العاجل والآجل فأما مصالحة العاجلة فإعزاز الدين، وسحق الكافرين، وشفاء حدود المؤمنين من اغتنام أموالهم وتخميسها، وارقاق نسائهم وأطفالهم، وأما مصالح الآجلة فالأجر العظيم قال الله تعالى: (ومَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) . فجعل الأجر العظيم للقتلى والغالبين، والغالب أفضل فجعل الأجر العظيم للقتلى والغالبين، والغالب أفضل من القتيل، لأنه حصل مقصد الجهاد، وليس القتيل مثابا على القتل لأنه ليس من فعله، وإنما يثاب على تعرضه للقتل في نصرة الدين.
(1) ص2879 جـ4 تفسير القرطبي ط. الشعب
(2) ص24 حـ4 نيل الأوطار بخصوص الصوم عن الميت، ص182 جـ3 سبو السلام بخصوص النيابة في الحج