الصفحة 22 من 35

الضرب الثاني من فوائد الجهاد درؤه لمفاسد عاجلة وآجلة، أما الآجل فلأنه سبب لغفران الذنوب. والغفران دافع لمفاسد العقاب، وأما العاجلة فإنه يدرأ الكفر من صدور الكافرين إن قتلوا أو أسلموا خوفا ن القتل، وكذلك يدرأ استيلاء الكفار على قتل المسلمين وأخذ أموالهم وارقاق حريمهم وأطفالهم، وانتهاك حرمة الدين. وجعل الحج في الرتبة الثالثة لانحطاط مصالحه عن مصالح الجهاد وهو أيضًا يجلب المصالح ويدرأ المفاسد. أما جلبه للمصالح فلأن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وأما درء المفاسد فإنه يدرأ العقوبات بغفران الذنوب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) [1] .

وليس معنى كون الشيء وسيلة أنه ليس فرضا أو واجبا، فقد سبق القول أن الوسيلة تأخذ حكم الغاية المترتبة عليها، ولكنها ليست في قوة الغاية من جهة اهتمام الشارع بها وسعيه الدائب إلى تحقيقها، ثم أن الغاية ليس لها بديل يحل محلها كما في الوسائل، فمنها ماله بديل واحد ومنها ما له عدة بدائل! ولذلك شدد الشارع في القيام بها والعمل على تحقيقها من قبل الأفراد ما لم يشدد في الوسائل.

فالصلاة التي هي وسيلة وغاية في وقت واحد تجب على الشخص في جميع حالاته في الصحة والمرض والإقامة والسفر مع تغيير لا يمس جوهرها بخلاف الحج فإنه لا يجب إلا على المستطيع الذي يجد الزاد والراحلة [2] .

(1) ص54، 55 جـ1 قواعد الأحكام في مصالح الأنام

(2) أي الواجد للقدرة المالية والبدنية، أما المريض والمعضوب (والغضب القطع ومنه سمي السيف عضبا) وكأن من انتهى إلى ألا يقدر أن يستمسك على الراحلة ولا يثبت عليها بمنزلة من قطعت أعضاؤه إذ لا يقدر على شيء، وقد اختلف العلماء في حكمهما بعد إجماعهم أنه لا يلزمهما المسير إلى الحج، لأن الحج إنما فرضه الله على المستطيع إجماعا، والمريض والمعضوب لا استطاعة لهما. فقال مالك. إذا كان معضوبا سقط عنه فرض الحج أصلا، سواء كان قادرًا على من يحج عنه بالمال أو بغير المال لا يلزمه فرض الحج - ولو وجب عليه الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج، ولا يجوز أن يحج عنه في حال حياته بحال بل أن أوصى أن يحج عنه بعد موته حج عنه من الثلث، وكان تطوعًا. (ص1392، 1393 جـ2 تفسير القرطبي ط. الشعب) وذلك بخلاف الحال في الصلاة حيث تجب على المريض بحسب ما يتيسر له من قعود أو اضطجاع أو إيماء أو بإجراء حركات الصلاة على قلبه. بل لقد ذهب بعض الأئمة إلى القول بأن المسافر إلى الحج بواسطة سفينة قد ازدحمت بالركاب ولا يتمكن الراكب فيها من الصلاة بسبب هذا الزحام فإنه لا يسافر لأداء الحج قال القرطبي - والبحر لا يمنع الوجوب إذا كان غالبه السلامة ويعلم من نفسه أنه لا يميد. فإن كان الغالب عليه العطب أو الميد حتى يعطل الصلاة فلا. وإن كان لا يجد موضعا لسجوده لكثرة الراكب وضيق المكان فقد قال مالك: إذا لم يستطيع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركب. ثم قال: أيركب حيث لا يصلي! ويل لمن ترك الصلاة! (ص1391. جـ2. تفسير القرطبي ط. الشعب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت