الصفحة 23 من 35

المبحث الثاني

في الجنايات

والعقوبة المقررة في هذا النوع هي القصاص. ويجرى في النفس وما دونهما من الأطراف وهو وسيلة من وسائل تحقيق الأمن في المجتمع كما سبق بيانه، إلا أنه ليس الوسيلة الوحيدة فناك من الوسائل ما يقوم مقامه حسب ما يتراءى من أوجه المصلحة.

فقد روى الأئمة عن أبي شريح الكعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنكم يا معشر خزاعة قتلتم هذا القتيل من هذيل واني عاقلة فمن قتل له بعد مقالتي هذه قتيل فأهله بين خيرتين أن يأخذوا العقل أو يقتلوا) . لفظ أبي داود. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وروى عن أبي شريح الخزاعي [1] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل له قتيل فله أن يقتل أو يعفو أو يأخذ الدية) وذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحق.

وقد اختلف أهل العلم في أخذ الدية من قائل العمد، فقالت طائفة: ولي المقتول بالخيار إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن لم يرض القاتل. يروي هذا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن، ورواه أشهب عن مالك، وبه قال الليث والأوزعي والشافعي وأحمد واسحق وأبو ثور، وحجتهم حديث أبي شريح وما كان في معناه، وهو نص في موضع الخلاف، وأيضا من طريق النظر فإنما لزمته الدية بغير رضاه، لأن فرضنا عليه إحياء نفسه، وقد قال الله تعالى: (ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) وقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) أي ترك له دمه في أحد التأويلات ورضي منه بالدية (فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) أي فعلى صاحب الدم إتباع بالمعروف في المطالبة بالدية، وعلى القاتل أداء إليه بإحسان، أي من غير مماطلة وتأخير عن الوقت (ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ ورَحْمَةٌ) أي أنه من كان قبلنا لم يفرض عليهم غير النفس بالنفس، فتفضل الله على هذه الأمة بالدية إذا رضي بها ولى الدم، وقال آخرون: ليس لولي المقتول إلا القصاص، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل، رواه ابن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه. وبه قال الثوري والكوفيون. واحتجوا بحديث أنس في قصة الربيع حين كسرت ثنية المرأة. رواه الأئمة، قالوا: فلما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال: (القصاص كتاب الله، القصاص كتاب الله) ولم يخير المجني عليه بين القصاص والدية ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص، والأول أصح، لحديث أبي شريح المذكور، وروى

(1) أبو شريح الخزاعي: هو أبو شريح الكعبي. واختلف في اسمه، والمشهور أنه خويلد بن عمرو ابن ضحو، أسلم يوم الفتح. ص629. جـ1. هامش القرطبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت