الصفحة 24 من 35

الربيع عن الشافعي قال: أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي قال: وحدثني ابن أبي ذئب عن المقبرى عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح: (من قتل له تقيل فهو بخير النظرين أن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود) . فقال أبو حنيفة: فقلت لابن أبي ذئب: أتأخذ بهذا يا أبا الحارث؟ فضرب صدري وصاح على صياحا كثيرًا ونال مني وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: تأخذ به، نعم آخذ به، وذلك الفرض على وعلى من سمعه، أن الله عز وجل شأنه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه، واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين، لا مجر لمسلم من ذلك. قال: وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت [1] .

ولا خلاف بين الفقهاء في جواز الصلح على القصاص وأن القصاص يسقط بالصلح ويصح أن يكون الصلح عن القصاص بأكثر من الدية وبقدرها وبأقل منها والأصل فيه السنة والإجماع. فقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله قال: (من قتل عمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءا قتلوا وإن شاءا أخذوا الدية ثلاثين حقه وثلاثين جذعة وأربعين حقه وما صولحوا عليه فهو لهم) وفي عهد معاوية قتل هويه بن خشرم قتيلا [2] فبذل سعيد بن العاص والحسن والحسين لابن المقتول سبع ديات ليعفو عنه فأبي ذلك وقتله.

ولما كان القصاص ليس مالا جاز الصلح عنه بما يمكن أن يتفق عليه الفريقان لأنه صلح عما لا يجري فيه الربا فأشبه الصلح على العروض فيصح أن يكون بذل الصلح قليلا أو أكثر من جنس الدية أو من خلاف جنسها حالا أو مؤجلا بخلاف ما إذا كان الصلح على الدية وليس على القصاص فإنه لا يجوز أن يكون على أكثر مما تجب ففيه الدية لأن ذلك يعتبر ربا فمثلا لا يصح الصلح على الدية مقابل مائة وعشرين من الإبل لأن الدية مائة من الإبل ولأن الزيادة ربا.

والفرق بين العفو والصلح أن العفو هو إسقاط دون مقابل أما الصلح فهو إسقاط بمقابل ومن المعروف أن مالكا وأبا حنيفة يعتبر أن العفو عن القصاص على الدية صلحا لا عفوا لأن الواجب بالعمد عندهما هو القصاص عينا والدية لا تجب إلا برضاء الجاني فإسقاط القصاص على الدية يقتضي رضا الطرفين فهو صلح لا عفو أما الشافعي وأحمد فيعتبروا أن العفو على

(1) ص629 تفسير القرطبي

(2) ص477 جـ9 المغني لابن قدامة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت