فهرس الكتاب
الدية عفوًا لا صلحا لأن الواجب عندهما أحد شقي القصاص أو الدية والخيار للولي دون حاجة رضاء الجاني ومن ثم كان التصرف إسقاطا من طرف واحد فهو عفو [1] .
المبحث الثالث
في الحدود
ومن الوسائل التي شرعها الله لتحقيق الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع أيضًا الحدود، وهي ليست الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك، بل هي وسيلة أخيرة سبقتها عدة وسائل أخرى مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لله ورسوله والعامة المسلمين وخاصتهم، ثم هناك الصلاة التي تنهي عن الفحشاء والمنكر، فإذا لم يجد كل ذلك ووقع للشخص في برائن الجريمة لم تتركه الشريعة فريسة لعوامل الشر تنشب فيه مخالبها فلا يجد أمامه من ملجأ إلا الارتماء في أحضان الجريمة، بل فتحت له باب الأمل ليقف على قدميه مرة أخرى ويعود فردًا صالحًا كما كان قبل ارتكاب الجريمة.
فالله تعالى لم يذكر حدًا من هذه الحدود إلا واستثنى منه الذين تابوا وأصلحوا.
ففي سورة النساء جاء قوله تعالى بعد ذكر عقوبة من يأتون الفاحشة: (فَإن تَابَا وأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) وفي سورة المائدة بعد ذكر حد الحرابة جاء قوله (إلا الَذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وبعد حد السرقة قال (فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وأَصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وبحد حد القذف جاء قوله (إلا الَذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وأَصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة النور.
ولكن الفقهاء اختلفوا هل تؤثر التوبة في إقامة الحد أو لا تؤثر بعد اتفاقهم على أن التوبة الصادقة تؤثر بالنسبة للعذاب الأخروي.
فأكثرهم لا يرى للتوبة تأثيرًا بالنسبة للعقوبة الدنيوية، بينما يفرق البعض الآخر بين ما إذا كانت التوبة قبل القدرة على الجاني أو بعد القدرة عليه، فهي تؤثر في الحالة الأولى دون الثانية، قال الشافعي في الأم [2] .
إن التوبة إلى الله قبل القدرة على المجرم تسقط عنه الحد ويفصل ذلك قائلا:
إن قوله عز وجل: (إنَّمَا جَزَاءُ الَذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ إلى قوله رَّحِيمٌ) فأخبر الله تبارك اسمه بما عليهم من الحد إلا ألا أن يتوبوا من قبل أن يقدرونا عليهم، ثم ذكر حد الزنا والسرقة ولم يذكره فيما استثنى فاحتمل ذلك ألا يكون الاستثناء إلا حيث جعل في المحارب خاصة واحتمل أن يكون كل حد لله عز وجل فتاب صاحبه قبل القدرة عليه، سقط عنه كما
(1) ص167 جـ2 التشريع الجنائي للأستاذ عبد القادر عودة
(2) ص15 جـ7 الأم