فهرس الكتاب
احتمل حين قال النبي صلى الله عليه وسلم في حد الزنا عن ما عز، ألا تركتموه .. أن يكون كذلك عن أهل العلم.
فالسارق إذا اعترف بالسرقة والشارب إذا اعترف بالشرب ثم رجع عنه قبل أن يقام عليه الحد سقط عنه، ومن قال هذا في كل حد لله عز وجل تاب صاحبه قبل أن يقدر عليه سقط عنه حد الله في الدنيا.
وأما حدود الآدميين كالقذف وغيره فتقام أبدا لا تسقط. وقال آخرون: أن التوبة إلى الله في الزنا لا تسقط الحد، بل أن الحد تطهير للزاني [1] .
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى من سورة النور (والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) تضمنت هذه الآية ثلاثة أحكام، جلد القاذف، ورد شهادته والحكم بفسقه فالاستثناء غير عامل في جلده بإجماع إلا ما روى عن الشعبي [2] .
وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر فيجب أن يكون ما دون ذلك أولى، قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة (في آية القذف) وليس من نسب إلى الزنا بأعظم جرما من مرتكب الزنا، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى من أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن منها قوله تعالى: (إنَّمَا جَزَاءُ الَذِينَ يُحَارِبُونَ .. إلى قوله إلا الَذِينَ تَابُوا) ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع، وقال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرما من الكافر فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته.
قال: وقوله: أبدًا. أي ما دام قاذفا، كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبدا، ومعناه ما دام كافرا، وقال الشعبي: للمخالفة في هذه المسألة: يقبل الله توبته ولا تقبلون شهادته .. ؟ ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله: (أُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) .
تعليل، لا جملة مستقلة بنفسها أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلم لا تقبل شهادته .. ؟ ثم توبة القاذف اكذا به نفسه كما قال عمر: لقذفه المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير من إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز وغير ذلك من الأقطار، ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك من الصحابة، ولقولوا لعمر: لا يجوز
(1) راجع في هذا الموضوع ص308، 309 أعلام الموقعين لابن القيم
(2) ص4570 جـ6 تفسير القرطبي ط. الشعب