فهرس الكتاب
قبول توبة القاذف أبدا ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب فسقط قول الكوفيين برد شهادة القاذف أبدا [1] .
فهذا فهم المحققين من الفقهاء لوظيفة الحد والحكمة من تشريعه أنه وسيلة للردع والزجر لا أكثر، وإذا تحققت هذه الغاية بوسائل أخف وأيسر فهذا فضل من الله ورحمة.
ولكن ليس معنى قبول توبتهم تضيع حقوق الناس أو إهدارها، فهذه التوبة لا تؤثر في حقوق الآدميين بل تبقى دينا في ذمتهم يلزمهم الوفاء به حتى بعد توبتهم سواء أكانت تلك الحقوق قصاصا أو دية أو غيرهما.
وليس معنى ذلك أن الحكام في الإسلام مطالبون بقبول أيه توبة سواء كان هناك من القرائن ما يدل على صدق صاحبها أم لم يكن، وإلا لم يكن ثم مبرر للفرق بين التوبة قبل القدرة على الجاني بعدها.
قال القرطبي عند الكلام عن توبة المحارب: أما القصاص وحقوق الآدميين فلا تسقط ومن تاب بعد القدرة عليه فظاهر أن توبته لا تنفع وتقام الحدود عليه، وللشافعي قول أنه يسقط كل حد بالتوبة، والصحيح من مذهبه أن ما تعلق به حق الآدمي قصاصا كان أو غيره أنه لا يسقط بالتوبة قبل القدرة عليه، وقيل المراد بالاستثناء في الآية المشرك إذا تاب وآمن قبل القدرة عليه فإنه تسقط عنه الحدود، قال القرطبي: وهذا ضعيف لأنه إذا تاب بعد القدرة عليه لم يقتل أيضًا بالإجماع وقيل إنما لا تقبل توبة المحاربين بعد القدرة عليهم، لأنهم متمون بالكذب في توبتهم والتصنع فيها إذا نالتهم يد الإمام، أو لأنه لما قدر عليهم صاروا بمعرض أن ينكل بهم فلم تقبل توبتهم كالمتلبس بالعذاب من الأمم قبلنا، أو من صار إلى حال الغرغرة فتاب، فأما إذا تقدمت توبتهم على القدرة عليهم فلا تهمة وهي نافعة، فأما الشراب والزناة والسرقة إذا تابوا وأصلحوا وعرف ذلك منهم ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم، وأن رفعوا إليه فقالوا، تبنا لم يتركوا، فهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا [2] . ولعدم وجود قرينة دالة على صدقهم في التوبة.
والذي نخلص إليه في ختام هذا الفصل أن الذي يجعل وسيلة من الوسائل متعينة لتحقيق غاية من الغايات أو عدم تعنينها لذلك هو أن تنظر هل تمخضت هذه الوسيلة أو لم تتمخض لذلك ... ؟ فإذا كانت وسيلة محضة أي ليست غاية باعتبار آخر كالصلاة مثلا فهي غير معينة لتحقيق الغاية المترتبة عليها. أما إذا لم تتمخض وسيلة بأن كانت غاية في نفس الوقت، فهي متعينة ولا يقوم غيرها مقامها كالصلاة.
(1) ص4573 جـ6 تفسير القرطبي ط. الشعب
(2) ص2155 جـ3 تفسير القرطبي ط. الشعب