فهرس الكتاب
الفصل الرابع
ترتيب الوسائل والغايات
ومن الوسائل ما يجب فيه الترتيب، فلا يجوز في هذه الحالة ترك وسيلة والانتقال إلى غيرها إلا بعد العجز عن الأولى، فالقادر على الصيام لا يجوز له الفطر في رمضان وقضاء الأيام التي أفطرها في غيره لأن الله سبحانه وتعالى يقول (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) وكذلك لا يجوز له الانتقال إلى الإطعام بدلا من قضاء الأيام التي فاتته إذا كان قادرًا على الصيام، أما ف الجهاد فيجوز الانتقال إلا أخذ الجزية أو الصلح وإن كان الإمام قادرًا على القتال قال الله سبحانه وتعالى (حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ) فعين البدل الذي يجوز الانتقال إليه.
وفي الحدود رأينا أن بعض الفقهاء يرون أن التوبة الخالصة تسقط الحد وتنوب عنه في تطهير الجاني من الإثم الذي ارتكبه، فالترتيب هنا غير مراع ولا منظور إليه.
وكذلك الغايات إذا لم يمكن تحقيقها جميعا في وقت واحد، فعلينا أن نراعي الأهم منها فالأهم، فنقدم الأكثر أهمية على ما دونه في الأهمية وهكذا.
وهذا التقديم والمفاضلة بين الغايات لا يعني أن غير الأهم يسقط أو يلغي بل كل ما في الأمر أن يؤخر تحقيقه إلى أن يحين الوقت المناسب لذلك.
وقد سارت الشريعة الإسلامية على هذا النهج حيث بدأت بالدعوة إلى التوحيد ومحاربة الشرك، وأرجأت ما سوى ذلك إلى أن تخلص العقيدة مما يشوبها، فلما تحقق لها هذا الهدف عملت على تحقيق غيره من الأهداف بحسب أهميتها وعودها بالنفع على الناس في حياتهم الدنيوية والأخروية.
وإلى نحو ذلك يشير ابن عبد السلام حيث يقول:
إذا اجتمعت المصالح الأخروية الخالصة فإن أمكن تحصيلها حصلناها وإن تعذر تحصيلها حصلنا الأصلح فالأصلح والأفضل فالأفضل، لقوله تعالى (فَبِشِّرْ عِبَادِ * الَذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) وقوله (واتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم) وقوله (وامُرْ قَوْمَكَ يَاخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) فإذا استوت مع تعذر الجمع تخيرنا، وقد يختلف في التساوي والتفاوت، ولا فرق في ذلك بين المصالح الواجبات والمندوبات، ولبيان الأفضل وتقديم الفاضل على المفضول أمثله.
أحدها: تقديم العرفان بالله وصفاته على الإيمان بتلك ويقوم الاعتقاد في حق العامة مقام العرفان،
ثم يستطرد في ذكر الأمثلة إلى أن يقول.
ولفضل الإيمان تأخرت الواجبات عند ابتداء الإسلام ترغبا فيه، فإنها لو وجبت في الابتداء لنفروا من الإيمان لثقل تكاليفه ولذلك أمثلة.