فهرس الكتاب
أحدها: أن الله أخر إيجاب الصلاة إلى ليلة الإسراء، لأنه لو أوجبها في ابتداء الإسلام لنفروا من ثقلها عليهم.
ثانيها: الصيام لو وجب في ابتداء الإسلام لنفروا من الدخول فيه.
ثالثها: تأخير وجوب الزكاة إلى ما بعد الهجرة، لأنها لو وجبت في الابتداء لكان إيجابها أشد تنفيرا لغلبة الضنة بالأموال.
رابعها: الجهاد لو وجب في الابتداء لأباد الكفرة أهل الإسلام لقلة المؤمنين وكثرة الكافرين.
خامسها: القتال في الشهر الحرام لو أجل في ابتداء الإسلام لنفروا منه لشدة استعظامهم لذلك، وكذلك القتال في البلد الحرام.
سادسها: القصر على أربعة نسوة، لو ثبت في ابتداء الإسلام لنفرت الكفار من الدخول فيه، وكذلك القصر على ثلاث طلقات، فتأخرت هذه الواجبات تأليفا على الإسلام الذي هو أفضل من كل واجب ومصلحته تربو على كل المصالح ولمثل هذا أقر الشرع من أسلم منهم على الأنكحة المعقودة على خلاف شرائط الإسلام، وكذلك أسقط عن المجانين ما يتلفونه من أنفس المؤمنين وأموالهم، لأنه لو ألزمهم بذلك لنفروا من الدخول في الإسلام، وكذلك بني على الإسلام غفران جميع الذنوب، لأن عهدها لو بقيت بعد الإسلام لنفروا، وكذلك قال جماعة قد زنوا فأكثروا من الزنا ومن غيره من الكبائر لرسول الله، أن ما تقول وتدعوا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ... ؟ فأنزل الله عز وجل (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ ... الآية) .
وقال في غيرهم (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ) وإنما أمرهم في ابتداء الإسلام بإفشاء السلام وإطعام الطعام وصلة الأرحام، والصدق والعفاف لأن ذلك كان ملائمًا لطباعهم حاثا على الدخول في الإسلام، وكذلك ألف عليه الإسلام جماعة على الإسلام بما دفع لهم من أموال، وامتنع من قتل جماعة من المنافقين قد عرفوا بنفاقهم خوفا أن يتحدث الناس بأنه أخذ في قتل أصحابه، فهذه كلها مصالح أخرت لما في تقديمها من المفاسد المذكورة [1] .
وقد جمع الله تعالى أمهات الغايات التي دعى الخلق إلى أن يجعلوها نصب أعينهم في كل عمل يؤدونه أو قول ينطقون به في آية واحدة هي قوله تعالى (إنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ والإحْسَانِ وإيتَاءِ ذِي القُرْبَى ويَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ والْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وعن هذه الآية يقول ابن مسعود هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل أو شر يجتنب، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لكفت في كونه تبيانا لكل شيء.
(1) ص62، 63 جـ1 قواعد الأحكام في معاني الأنام