فهرس الكتاب
وذلك لما تضمنته هذه الغايات الست في جانب الأمر والنهي.
وإذا تتبعنا الغايات النبيلة والأهداف السامية التي دعا إليها الرسل والأنبياء ودعاه الإصلاح من أول تاريخ البشرية إلى الآن لوجدنا أنها مهما تنوعت واختلفت أسماؤها لابد أن ترجع إلى هذه الغايات المذكورة في هذه الآية الكريمة ولا يمكن أن تخرج عنها بالرغم من إيجازها الشديد وتركيزها المعجز.
والوسائط والطرق الموصلة إلى هذه الغايات كثيرة ومتشعبة وهي قد تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والظروف ولكن ذلك لا يهم المهم هو الغاية وهي لا تختلف في زمان عنها في زمان آخر، فالعدل هو العدل والإحسان كذلك والبغي وسائر أنواع الشر لا يمكن أن تتبدل أو تختلف باختلاف البيئة أو الظروف.
وبعض هذه المسائل لا بديل لها ولا مناص من التوسل بها لبلوغ هذه الغايات والمقاصد، لأن الله تعالى هو الذي جعلها أسبابًا أو شروطا لتحقيق هذه الأهداف، فينبغي علينا إتباعها والسير على هديها.
والبعض الآخر منهما قد أعطانا الله تصريحا وإذنا باختيار ما يناسبنا منها وما يتمشى مع أوضاعنا فعلينا أن نحس اختيار أصلحها وأقربها سبيلا إلى بلوغ المراد وفي اختلاف مراتب الغايات وتفاوتها يقول ابن عبد السلام أيضا:
ولا تزال رتب المصالح الواجبة التحصيل تتناقص إلى رتبة لو تناقصت لانتهينا إلى رتب المصالح المندوبات، وكذلك تتفاوت رتب فرض الكفاية فيما تجلبه من مصلحة أو تدرؤه من مفسدة، فقتال الدفع أفضل من قتال الطلب، ودفع الصوال عن الأرواح والأبضاع أفضل من درئهم عن المنافع والأموال، وكذلك تتفاوت رتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتفاوت رتب المأمور به في المصالح والمنهي عنه في المفاسد [1] .
الفصل الخامس
هل الغاية تبرر الواسطة في الشريعة الإسلامية .. ؟
الشريعة الإسلامية لا تعرف المكيافلية [2] التي تقوم على مبدأ تبرير الغاية للواسطة، بمعنى أن الإنسان أن يتذرع بأية ذريعة - شريفة كانت أو غير شريفة- ما دام يرمي إلى تحقيق غاية نبيلة وهدف سام.
(1) ص55 جـ1 قواعد الأحكام في صالح الأنام.
(2) نسبة إلى مكيافيلي، وقد عبر عن نظريته تلك في كتابه (الأمير وتخلص مذهب ميكافلي في الفصل بين الأخلاق والسياسة، فالحاكم الكفء لا ينبغي أن تعوقه المبادئ الدينية أو الأخلاقية عن تحقيق أغراضه السياسية بل إن من حقه ألا يتردد في التخلي عن هذه المبادئ وأن يتسلح بما يكفي من المكر والالتواء والقسوة فذلك ضروري للتمكين لسلطانه وسلطان بلاده. وما دام المحكومون مفطورين على الأنانية فلا وحدة بينهم ولا عدل ولا نظام إلا بالقوة والإرهاب والحكم المطلق الذي لا يجعل الحاكم فوق القانون فحسب بل يجعله فوق الأخلاق أيضا. ومهما جلبت أفعاله عليه من اللوم والاستهجان فإن ثمرة هذه الأفعال تشفع له، والغاية تبرر الوسيلة في عالم السياسة. ويجب ملاحظة أن مكيافلي لم يقصد بكتابه هذا نشر هذه المبادئ الذمية بين الناس بل أراد قصرها على من يتصدون لشئون السياسة. فاستعمال الوسائل الوضعية لتحقيق أهداف سياسية سامية أولى من الإقلاع عن تلك الأهداف نفورا من الوسائل. أما سلوكه الشخصي فكان على نقيض مبدئه السياسي(ص231 مشكلات فلسفية)