وكذلك شرعت الحدود وسائل لتحقيق أمن المجتمع ومحاربة السلوك المنحرف المتمثل في مقارنة الجرائم والآثام.
فتشريع الحدود ليس غاية في ذاته بل لجأت إليه الشريعة وهي مضطرة كارهة، ولذلك شددت في إثباتها بما لم يعهد عنها في مجالات التشريع الأخرى وهي تطبق فيها قاعدة درء الحدود بالشبهات، فتسقط الحد إذا حامت شبهة أو شك في إحدى وسائل الإثبات أو في تحقق أحد أركان الجريمة، أو إذا كان العلم الذي ارتكب مختلفا في تحريمه بين العلماء.
بل إن من أقر بموجب حد من هذه الحدود مختارا طائعة ثم رجع عنه ولم تقم عليه بينة بمقارنته قبل رجوعه.
وفي إعراض الرسول عليه السلام عن ماعز حينما جاءه مقرا بالزنا وفي تعريضه له بالرجوع عن إقراره خير دليل على ذلك [1] .
وكذلك فعل الرسول عليه السام بالنسبة لحد السرقة حين عرض للسارق بالرجوع [2] .
بل إن من الفقهاء من يشترط لصحة الإقرار بالزنا أن يتكرر أربع مرات كما صنع عليه السلام مع ماعز، ومن هؤلاء الفقهاء، أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح وأحمد بن حنبل وإسحاق كما روى ذلك عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة [3] .
ومثل ذلك قيل في حد السرقة، فمن الفقهاء من قال: أن الإقرار بالسرقة مرة واحدة لا يكفي بل لابد من الإقرار مرتين أو ثلاثا، وأقل ما يلزم به القطع مرتان، وإلى ذلك ذهبت المعتزلة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو يوسف استنادًا إلى ما روى عن أبي أمية المخزومي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بلص فاعترف اعترافا ولم يوجد معه المتاع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخالك سرقت؟ قال: بلى مرتين أو ثلاثا قال: فقال رسول الله اقطعوه ثم جيئو به، قال: فقطعوه ثم جاءوا به، قال له رسول الله، قل استغفر الله وأتوب إليه، فقال رسول الله اللهم تب عليه، رواه أحمد وأبو داود وكذلك النسائي ولم يقل فيه مرتين أو ثلاثا وابن ماجه وذكر مرة ثانية فيه قال: ما أخالك سرقت؟ قال"بلى [4] ."
ويجب على من يقتضي في حد الزنا أن يستفصل المقر في حال الإقرار والشهود ف حال البينة ويستفسر بما لا يزيد عليه كما صنع الرسول عليه السلام مع ماعز.
(1) ص 102 جـ7 نيل الأوطار ط. العثمانية
(2) ص132 جـ7 المرجع السابق
(3) ص97 جـ7 المرجع السابق
(4) ص132 المرجع السابق