الصفحة 4 من 35

بل إن من أقر بحد ولم يسمه لا يحد، فقد روى عن أنس قال، كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله أني أصبت حدًا فأقمه على ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله أني أصبت حدًا فأقم في كتاب الله قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك أو حدك. أخرجاه ولأحمد ومسلم من حديث أبي أمامة نحوه [1] .

فظهر من ذلك خطأ من يتصورون أن الهدف من تطبيق الشريعة الإسلامية هو قطع أيدي السارق أو رجم الزناة وجلدهم إلى غير ذلك وكأن الشريعة ليس لها هدف إلا سفك دماء الناس والإيقاع بهم، في حين رأينا أن العكس من ذلك هو الصحيح.

بل إن من المبادئ التي أقرتها الشريعة ما يهدف إلى حماية الناس من الوقوع في الجريمة بإقامة الحواجز بينهم وبينها. كما يظهر ذلك في إقرار مبدأ سد الذريعة، ومؤداه، أنه يمنع من مباشرة بعض الأفعال التي هي مباحة في ذاتها إلا أنها قد تؤدي إلى الوقوع في المحظور كتحريم الخلوة بالأجنبية حتى لا يؤدى ذلك إلى وقوع فاحشة.

ولكن للأسف أن بعض المسلمين من أصحاب الأمزجة الدموية يتصورون الشريعة وكأنها جلاد قائم بسيفه ينتظر أدنى حماقة أو انحراف ليهوى بسيفه فيطيح بالرؤوس أو يذهب بالأعضاء.

ما أبعد هذا التصور عن حقيقة الشريعة وأصولها. إن الشريعة مثل الطبيب الحاذق الذي لا يلجأ إلى بتر الأعضاء إلا بعد اليأس من شفائها بالأدوية والعقاقير فيضطر اضطرارًا إلى بترها كوسيلة أخيرة لإنقاذ المريض.

المبحث الثاني

حكم الوسيلة

الوسيلة أو الواسطة تأخذ حكم الغاية أو المقصد، إن وجوبا أو حرمة أو ندبًا أو إباحة أو كراهة، أي أنها تستمد حكمها من الغاية المترتبة عليها.

فالسعي إلى المسجد يوم الجمعة واجب، وهو وسيلة وواسطة، والغاية هي ذكر الله تعالى، وسواء كان المارد بذكر الله هو الخطبة وحدها أو الخطبة بالصلاة معًا فهما أمران واجبان عند جمهور الفقهاء فتكون الوسيلة إليهما واجبة كذلك.

وقد أشار إلى نحو ذلك ابن عبد السلام إذ يقول:

(1) ص100، 101 جـ7 نيل الأوطار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت