مجتنبا للمحرمات والمكروهات، وقال أبو حنيفة: يكفي في العدالة ظاهر الإسلام، وأن لا تعلم منه جرحة، وسبب الخلاف كما قلنا ترددهم في مفهوم اسم العدالة المقابلة للفسق، وذلك أنهم اتفقوا على أن شهادة الفاسق لا تقبل لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ) الآية. ولم يختلفوا أن الفاسق تقبل شهادته إذا عرفت توبته، إلا من كان فسقه من قبل القذف فإن أبا حنيفة يقول: لا تقبلى شهادته وإن تاب، والجمهور يقولون: تقبل، وسبب الخلاف هل يعود الاستثناء في قوله تعالى: (ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ * إلا الَذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) إلى أقرب مذكور إليه، أو على الجملة إلا ما خصصه الإجماع.
وأما التهمة فإن كان سببها المحبة، فإن العلماء أجمعوا على أنها مؤثرة في إسقاط الشهادة، واختلفوا في رد شهادة العدل بالتهمة لموضع المحبة أو البغضة التي سببها العداوة الدنيوية، فقال بردها فقهاء الأمصار، إلا أنهم اتفقوا في مواضع على إعمال التهمة، وفي مواضع على إسقاطها وفي مواضع اختلفوا فيها، فأعملها بعضهم وأسقطها بعضهم.
فمما اتفقوا عليه رد شهادة الأب لابنه والابن لأبيه، وكذلك الأم لابنها وابنها لها.
ومما اختلفوا في تأثير التهمة في شهادتهم شهادة الزوجين أحدهما للآخر، فإن مالكا ردها، وأبا حنيفة، وأجازها الشافعي وأبو ثور والحسن، وقال ابن أبي ليلى، تقبل شهادة الزوج لزوجه ولا تقبل شهادتها له، وبه قال النخغي، ومما اتفقوا على إسقاط التهمة فيه شهادة الأخ لأخيه ما لم يدفع بذلك عن نفسه عارا على ما قال مالك، وما لم يكن منقطعا إلى أخيه يناله بره وصلته، ما عدا الأوزاعي فإنه قال، لا يجوز، ومن هذا الباب اختلافهم في قبول شهادة العدو على عدوه، فقال مالك والشافعي، لا تقبل؟ وقال أبو حنيفة: تقبل. فعمدة الجمهور فيرد الشهادة بالتهمة ما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال (لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين) وما خرجه أبو داود من قوله عليه الصلاة والسلام (لا تقبل شهادة بدوي على حضري) لقلة شهود البدوي ما يقع في المصر، فهذه هي عمدتهم من طريق السماع. وأما من طريق المعنى فلموضع التهمة، وقد أجمع الجمهور على تأثيرها في الأحكام الشرعية مثل اجتماعهم على أنه لا يرث القاتل المقتول، وعلى توريث المبتوتة في المرض وإن كان فيه خلاف.
وأما الطائفة الثانية: وهم شريح وأبو ثور وداود فإنهم قالوا، تقبل شهادة الأب لابنه فضلا عمن سواء إذا كان الأب عدلا، وعمدئهم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ) والأمر بالشيء يقتضي أجزاء المأمور به إلا ما خصصه الإجماع من شهادة المرء لنفسه.