الصفحة 7 من 35

وأما من طريق النظر، فإن لهم أن يقولوا رد الشهادة بالجملة إنما هو لموضع إتهام الكذب، وهذه التهمة إنما اعتملها الشرع الفاسق ومنع أعمالها في العادل، فال تجتمع العدالة مع التهمة [1] .

ومما يتصل بذلك أيضًا اختلافهم في القضاء بعلم القاضي.

فذهب مالك أنه لا يقضي بعلمه في المدعى [2] به حال سواء عمله قبل التولية أو بعدها في مجلس قضائه أو غيره قبل الشروع في المحاكمة أو بعد الشروع وهو أحد قولي الشافعي وظاهر مذهب الحنابلة وصح عن الشعبي قوله: لا أكون شاهدًا وقاضيًا وإليه ذهب البخاري، رواه ابن سماعة عن محمد بن الحسن وهو ما عليه متأخروا الحنفية وهو قبل هؤلاء مذهب أبي بكر، عمر، علي، ابن عباس، عبد الرحمن بن عوف، معاوية من الصحابة رضي الله عنهم.

وقال ابن حزم: وفرض على القاضي أن يحكم بعلمه في الدماء، والأموال والقصاص، والفروج، والحدود سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، قال: وأقوى ما حكم: بعلمه ثم بالإقرار ثم بالبينة ونسب هذا إلى أبي ثور. وإلى الشافعي في أحد قوليه. وأحمد في رواية عنه.

والمشهور في مذهب الشافعي أن القاضي لا يقضي بعلمه في الحدود التي هي خالص حق الله ويقضي بعلمه فيما عداها سواء علم هذا زمن الولاية أو قبلها من مصرها أو في غيره وجدت بينة على ذلك أو لم توجد، وهو مذهب أبي يوسف ومحمد في أحد قوليه.

ومذهب الإمام أبي حنيفة هو عدم صحة قضاء القاضي بعلمه في الحدود الخالصة لله وكذلك حقوق العباد إذا علم بشيء منها في غير محل ولايته وكذلك ما علمه قبل زمان الولاية، ويجوز قضاؤه بعلمه في حقوق العباد التي علمها في زمن ولايته وفي محل الولاية، أما الحدود فلأنه خصم فيها لأنه حق لله وهو نائبه إلا في القذف فإنه يعلم بعلمه لما فيه من حق العبد وإلا في المسكر إذا وجد سكرانا أو من به أمارات السكر فإنه يعذر.

وملخص مذهب الحنفية، على قول المتقدمين يجوز أن يقضى بعلمه أخذًا برواية الأصول وعلى قول المتأخرين لا يجوز له القضاء بعلمه في شيء أخذًا برواية ابن سماعة عن محمد.

وقال في الأشباه: أن الفتوى على قول محمد المرجوع إليه في أنه لا اعتبار لعلم القاضي، وقال في جامع الفصولين وعليه الفتوى وعليه مشايخنا رحمهم الله، وأما إن أطلع على ما

(1) ص463 جـ2 بداية المجتهد

(2) الطرق الحكمية ص194

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت