يوجب حدًا خالصًا لله تعالى كالزنا وشرب الخمر فإنه لا يقضي بعلمه اتفاقًا وكذا لو أطلع على سرقة لا يقضي بالحد اتفاقًا وإنما يقضي بالمال فقط على قول المتقدمين.
وقال في المبسوط ما ملخصه، إذا رأى القاضي وهو في مجلس القضاء أو غيره رجلا يزني أو يسرق أو يشرب الخمر ثم رفع إليه فله أن يقيم الحد عليه في القياس لأنه تيقن باكتسابه السبب الموجب للحد عليه، والعلم الذي استفاده بمعاينة لسبب فوق العلم الذي يحصل له بشهادة الشهود لأن ذلك محتمل الصدق أو الكذب وفي الاستحسان لا يقيم عليه الحد حتى يشهد الشهود عنده بذلك عليه أو يقر بذلك لأن الحدود التي هي من خالص حق الله تعالى فيها الإمام على سبيل النيابة من غير أن يكون هناك خصم يطالب به من العباد فلوا اكتفى بعلم نفسه في الإقامة ربما يتهمه بعض الناس بالجور والإقامة بغير حق، وهو مأمور بأن يصون نفسه عن ذلك وهذا بخلاف القصاص وحد القذف وغير ذلك من حقوق الإنسان لأن هناك خصما يطالب به من العباد وبوجوده تنتفي التهمة عن القاضي فكان مصدقًا فيما زعم أنه رأى ذلك.
نسب الله عمر بن عبد العزيز أن لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه في الزنا فقط، ومعناه أنه يجوز له القضاء بعلمه فيما سواه مطلقا.
قال الشوكاني في مجال الترجيح بين أقوال العلماء في هذه المسألة: والحق الذي لا ينبغي العدول عنه أن يقال إن كانت الأمور التي جعلها الشارع أسبابا للحكم كالبينة واليمين ونحوها أمورًا تعبدنا الله بها لا يسوغ لنا الحكم إلا بها وإن حصل لنا ما هو أقوى منها بيقين فالواجب عينا الوقوف عندها مقصودة لذاتها بل لأمر آخر وهو حصول ما يحصل للحاكم بها من علم أو ظن وإنها أقل ما يحصل له ذلك في الواقع فكان الذكر لها لكونها طرائق لتحصيل ما هو المعتبر. لا شك ولا ريب أنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه لأن شهادة الشاهدين والشهود لا تبلغ إلى مرتبة العلم الحاصل من المشاهدة أو ما يجرى مجراها فإن الحاكم بعلمه غير الحاكم الذي يستند إلى شاهدين أو يمين.
ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم (فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من نار، فإذا جاز الحكم مع تجويز كونه خطأ فكيف لا يجوز من القطع فأنه صواب لاستناده إلى علم اليقين ولا يخفى رجحان هذا وقوله. لأن الحاكم به قد حكم بالعدل والقسط والحق كما أمر الله تعالى أ. هـ.
وقد عقب المحدثين [1] على ما قيل هذا الموضوع بقوله، لكن الواقع أن ذلك كله كلام ليس في صميم المقصود من هذه المسألة.
(1) فضيلة الشيخ أنيس عبادة فقه الكتاب والسنة ص38 وما بعدها.