فإنه لا شك أن العلم المستند إلى المشاهدة أقوى بكثير مما ثبت بالشهادة أو الإقرار أو النكول لكن محل النزاع الحقيقي هو:
هل نصدق القاضي في قوله أنه علم بالحادثة التي حكم فيها وقد يتناول حكمه الأموال والدماء والأعراض أم نحتاط في ذلك محافظة على أموال الناس ودمائهم وأعراضهم؟
الحق أن الاحتياط واجب بل هو أعظم مطالب الشريعة العادلة الحكيمة فلا نسلم للقاضي ما يقضي به ولا نقره عليه إلا إذا بين لنا أسبابا مقنعة وحججا واضحة استند في قضائه عليها نزيل بها التهمة عن نفسه، وبدون ذلك لا توجد الطمأنينة في نفس أحد. ولأمر ما وجب أن تكون جلسات القضاء علنية. ووجوب بيان الأسباب التي يبنى عليها القاضي حكمه. فهذا هو الاحتياط الواجب والتساهل فيه من أكبر الجرائم.
والكلام السابق بمناه حسن الثقة بالقضاة. لكن ذلك قد لا يطرد. ولها عدل متأخروا الحنفية وأجمعوا على الفتوى بخلافه لعله واحدة هي فساد الزمان وقد روى عن أبي حنيفة رحمه الله أن القاضي إذا علم بطلاق أو عتاق أو غصب أمر بأن يحال بين المطلق وزوجته والمعتق وأمتعة والغاصب وما غصبه بأن يجعله تحت يد أمين إلى أن يثبت ما عليه القاضي بوجه شرعي بينة أو إقرار أو نكول، وهذه الحيلولة على وجه الحسبة لئلا يقر بها الزوج أو السيد أو الغاصب. وليس على وجه القضاء.
فكلا الفريقين المتنازعين يرمى إلى تحقيق العدالة من قال بالجواز ومن قال بالمنع فالمانعون من القضاء بعلم القاضي يخشون أن يميل القاضي 'ن الحق أو ينحرف عن الصواب لأي سبب من الأسباب أما المجيزون فيرون في منع القاضي من القضاء بعلمه إضاعة للحقوق وتنكرًا للعدالة.
المبحث الثاني
تحقيق المساواة
والدعوة إلى تحقيق المساواة من أهم الغايات التي سعت الشريعة في تحقيقها، وتنطق نصوص الكتاب والسنة بذلك وقد أثبت ذلك أيضًا التطبيق العملي لتلك النصوص في عهده عليه السلام والخلفاء الراشدين من بعده والذي يهمنا من هذه المساواة نوع خاص هو ما يتعلق بتطبيق أحكام القانون الجنائي، ففي هذا الصدد لا تمايز بين الأفراد بسبب نوعهم أو عقائدهم أو مكانتهم الاجتماعية، فعند ما ذهب بعض الصحابة إلى الرسول عليه السلام للشفاعة عنده في حد من الحدود قال لهم مستنكرًا، أتشفعون في حد من حدود الله .. ؟ والله لا أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. وفي رواية أخرى إنما هلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.